زايوسيتي
في شهادة تاريخية وإنسانية مؤلمة، استضاف الإعلامي والناطِق الحقوقي وليد كبير في برنامجه على قناته الرسمية، حسن معيسة نجل المجاهد الراحل ميمون معيسة، ليسلط الضوء على فصول مأساوية من تاريخ المغاربة المقيمين بالجزائر الذين تعرضوا لعمليات الطرد التعسفي الجماعي إبان عيد الأضحى سنة 1975، وتحديداً في شهري نوفمبر وديسمبر من تلك السنة .
جذور التاريخ وربط الماضي بالحاضر
استهلت الحلقة بتسليط الضوء على الروابط التاريخية التي تجمع عائلة “معيسة” بمدينة زايو والمنطقة الشرقية، حيث كانت العائلات المغربية قد استقرت في الجزائر خلال فترة الحماية الفرنسية، واشتغلت في عدد من المدن والأحياء الكبرى مثل وهران (سيتي بيتي وعيون الترك) ومستغانم (استيديا)، مساهمةً بعرقها وجهدها في مختلف القطاعات .
صدمة الطرد في صبيحة عيد الأضحى (1975)
روى السيد حسن معيسة تفاصيل اللحظات العصيبة التي عاشها، حيث كان طالباً داخلياً يتابع دراسته بثانوية “لي بالمي” التقنية بمستغانم، بينما كان والده ووالدته وإخوته يقيمون بقرية “استيديا”. وفي صبيحة يوم 26 ديسمبر 1975، اقتحمت قوات الأمن الجزائرية منزل العائلة واعتقلت الوالد وأفراد الأسرة، ليتم ترحيلهم قسراً صوب الحدود المغربية الجزائرية في ظروف مهينة لم تستثن حتى الأطفال والنساء .
يصف حسن صدمته حين عاد كعادته كل أسبوعين إلى بيت أسرته ليجد الأبواب مغلقة والجيران يخبرونه بأن “البوليس” أخذوا العائلة إلى المغرب . وجد الشاب نفسه وحيداً، بلا معيل ولا سند في بلد غريب، لتبدأ رحلة معاناة طويلة بين التخفي، ومتابعة الدراسة في ظل التضييق الأمني، والبحث المستمر عن مصير العائلة والممتلكات المصادرة .
مفارقة مؤلمة: مجاهد مغربي في صفوف جيش التحرير الجزائري يُطرد ويُعاقب
المفارقة الصادمة التي كشفت عنها الشهادة هي أن الأب (المجاهد الراحل ميمون معيسة، الملقب حركياً بـ “الكبداني”) لم يكن مجرد مقيم عادٍ، بل كان مقاتلاً وضابط تحرير التحق بصفوف جيش التحرير الوطني الجزائري (في هيئة الأركان العامة وقيادة العمليات) منذ مارس 1956 ، وضحى بحياته وصحته من أجل استقلال الجزائر وهو معطوب حرب معترف بوضعيته، قبل أن يشتغل بشركة “سوناطراك” بأوامر عليا . ومع ذلك، لم تشفع له تضحياته ولا وثائقه الرسمية العسكرية لدى السلطات الجزائرية التي قابلت الوفاء بالجحود، فقامت بطرده ومصادرة بيته وسيارته وكل ممتلكاته ، في تعبير صارخ عن التنكر لحقوق المغاربة الذين صنعوا جزءاً من الذاكرة النضالية الجزائرية.
خاتمة الشهادة: غصة التاريخ وحنين الوطن
رغم محاولات بعض الوجوه التاريخية والبارزة في الثورة الجزائرية التدخل لإنصاف العائلة ورفع الظلم، إلا أن التعنت الإداري والسياسات الممنهجة حالت دون استرجاع الحقوق المسلوبة ، ليختار الأب العودة النهائية إلى أحضان الوطن المغرب بعد سنوات من المعاناة، رافضاً الذل والهوان .
تُعد هذه الشهادة الحية وثيقة تاريخية حية تضاف إلى أرشيف الذاكرة الجماعية للمغاربة ضحايا الطرد التعسفي لسنة 1975، شاهدةً على حجم الظلم والجحود الذي طال حتى المقاومين والمجاهدين الذين ساهموا في تحرير الجارة الجزائر.


