زايوسيتي
حين يحلّ شهر شتنبر، يلفّ المدينة شعور خفيّ بالافتقاد؛ فالقسم مغلق، وغاب التلاميذ، وغاب معهم ذلك الوجه البشوش والصوت الدافئ الذي ألفته الأجيال. طوال سنواته الأخيرة، راودت الأستاذ القدير الراحل السي الداودي رغبة هادئة في التوقف عن التدريس، لكنه – نزولاً عند رغبات الآباء الملحة ووفاءً لرسالته – استمر في العطاء، إلى أن بلغ الثمانين من عمره، قبل أن يترجل عن صهوة ميدان بذل فيه الغالي والنفيس من أجل الأطفال، والمدينة، والوطن، ويودعنا إلى دار البقاء تاركاً خلفه إرثاً خالداً من المحبة والتقدير.
لقد ترك السي الداودي، بأسلوبه الفريد وهدوئه وحنانه، بصمات خالدة في قلوب وعقول أطفال الأمس الذين صاروا اليوم رجالاً ونساءً، وما زالوا يحتفظون في أعمق وجدانهم بذكريات رجل عظيم حمل دائماً قلباً عطوفاً. وحين ننظر إلى تلك الصورة الخالدة التي توثق لإحدى لحظاته داخل حجرة الدرس، لا نرى مجرد مقاعد خشبية وأطفالاً صغاراً، بل نرى ملحمة تربوية حية؛ فهو يقف بين أبنائه لا متعالياً عليهم، ممسكاً بزمام الأمور بحزم يغلفه الحنوّ الأبوي، بينما تعكس وجوه الأطفال مزيجاً بديعاً من الانتباه والفضول، في مرآة صادقة لعلاقة إنسانية تجاوزت حدود التلقين الجاف إلى رابطة روحية متينة.

لم يكن السي الداودي معلماً تقليدياً، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، حيث درس لمدة ست وأربعين سنة بعيداً عن السفسطة العميقة والتعقيدات البيداغوجية الجافة، مكرساً جهده للتلميذ كطفل كامل الإنسانية، وواعياً بأن البيداغوجيا الحقيقية هي فعل يستميت لتحقيق الهدف لا أن تتحول الوسيلة إلى غاية. ولم يطبق المنهجيات بطريقة ميكانيكية، بل استغل مواهبه الفطرية كممثل، وقاصٍ، ومربٍ، منظماً الزمن والفضاء برابط يجمع الذكاء بالليونة، ليوقظ حب الاستطلاع وينمي مهارات الملاحظة والتركيز لدى الأطفال.
ولم يكن يحدث أبناءه عن الديمقراطية، المساواة، والتسامح نظرياً، بل كان يعيشها معهم يومياً؛ فالمقعد الأول لم يكن حكراً على تلميذ بعينه، بل كان التلاميذ يتناوبون عليه بعدالة تامة. كما مارس البيداغوجيا الفارقة والدعم السيكولوجي عبر شرع الأبواب الفردية أمام كل طفل ليذلل صعابهم، حارصاً على التشجيع المستمر عبر التصفيق للجميع، ومثمناً كل جهد مهما صغر.
إن هذا المفهوم العميق للتربية هو ما جعل أحد تلاميذه، وهو اليوم رئيس لإحدى الجمعيات، يلخص مساره بالقول بصدق إن السي الداودي مدرسة قائمة بذاتها. هذه الشهادة الحية، المجبولة بالعرفان، تنضاف إلى سجل رجل أفنى عمره في إنارة العقول، فترحماً على روحه الطاهرة، وجزاه الله عن زايو وأجيالها خير الجزاء.
حين نتأمل مسار الراحل، ندرك جیداً أن التربية الحقيقية ليست مجرد مقررات تُلقن، بل هي طاقة حبّ مشتعلة تنتقل من قلب المعلم إلى قلوب الناشئة لتضيء دروبهم. لقد أدرك السي الداودي بعين الفطنة أن طفل اليوم هو بذرة الغد، فتعامل مع كل تلميذ كعالم قائمة أسراره بانتظار من يكتشفها، وكرسام صغير ينتظر من يمنحه الثقة ليمسك الريشة ويرسم أحلامه بلا خوف أو تردد.
ولعل أعظم ما تركّه هذا المربي الجليل في مدينة زايو، ليس فقط تلك الأجيال التي تخرجت من تحت يده وتقلدت مختلف المسؤوليات، بل الأثر الإنساني العميق الذي يعبر الزمن ولا يمحوه النسيان. إن رحيل رجل بمثل هذا الإخلاص يترك فراغاً كبيراً، لكن سيرته العطرة تبقى شعلة مضاءة في الذاكرة الجماعية للمدينة، تروي للأحفاد قصة رجل علّم الناس كيف يكون الوفاء للوطن وللإنسان.








