زايوسيتي
ينفرد التاريخ السياسي والاجتماعي المغربي بأسماء استثنائية تقاطعت أطوار حياتها مع المنعطفات الكبرى للبلاد، ومن أبرزها الشيخ خطري ولد سعيد الجماني، الذي تجاوز حضوره حدود الأقاليم الجنوبية ليصبح رمزاً وطنياً تحاط سيرته بفضول واسع بين الواقع التاريخي الصارم والذاكرة الشعبية الطريفة.
وُلد الجماني حوالي سنة 1915 بمنطقة “لخصاص” المتاخمة للصحراء، ونشأ في بيئة بدوية قاسية ضمن قبيلة الركيبات الكبرى، حيث نهل مبادئ الفقه وحفظ القرآن قبل أن تتقاطع خطاه مبكراً مع رياح المقاومة والسياسة. تعود جذور انخراط الجماني في الحركة الوطنية إلى فترة الاستعمار، إذ تشير الوثائق وشهادات المقاومة إلى أنه كان من أوائل شيوخ وشخصيات الصحراء الذين ربطوا اتصالات وثيقة بجيش التحرير، وخرج على رأس مظاهرات حاشدة سنة 1953 مندداً بنفي السلطان محمد بن يوسف، وهو ما رسخ رصيداً نضالياً مبكراً مهد له طريق الزعامة. وخلال حقبة التواجد الإسباني، لعب الرجل أدواراً بالغة التعقيد تطلبت دهاءً سياسياً نادراً، توجت بترؤسه لما يُعرف بـ”الجماعة الصحراوية”، حيث استغل هذا الموقع الحساس للمناورة وحماية مصالح قبيلته وسكان المنطقة وسط صفيح ساخن من الصراعات الإقليمية والدولية، متحملاً تبعات المواجهات واعتقالات السلطات الإسبانية لعشرات الأعيان سنة 1970 عقب الأحداث الدامية بالعيون، قبل أن تتجسد محطته الأبرز والأكثر حساسية في أواخر سنة 1975 قبيل انطلاق المسيرة الخضراء، عندما اتخذ قراره التاريخي بالانسلاخ عن حسابات المستعمر والانخراط الفعلي في صفوف الوطن الأم.
حل الجماني بمدينة أكادير مقدماً بيعته للملك الراحل الحسن الثاني، ليخلف هذا الالتحاق صدىً مدوياً على المستوى الدبلوماسي العالمي اعتبر بمثابة ورقة رابحة قلبت الموازين لصالح الموقف المغربي، وتتوج باحتفاء مَلِكي استثنائي تمثل في خلع العاهل المغربي سلهامه عليه وإلقاء عبارته التاريخية الشهيرة التي تؤكد فرادة الاستقبال، ليواصل مهامه التشريعية والدفاع عن الوحدة الترابية عضواً بارزاً في البرلمان إلى غاية وفاته سنة 1993.
وعلى النقيض تماماً من هذه الصورة السياسية والرزينة التي طبعت مسار رجل الدولة، سلكت الذاكرة الشعبية للمغاربة مساراً آخر جعل من اسم الجماني مادة دسمة للمستملحات والنكت التي تُظهر صدام البداوة والتلقائية مع مظاهر المدنية الحديثة؛ فقد نسج المخيال الشعبي حكايات عديدة صطرت شخصية طريفة تتصرف بعفوية مطلقة أمام تفاصيل الحياة اليومية، كقصة “الأسانسير” الشهيرة عندما اعتقد أن المصعد غرفة سحرية تحول الشاب إلى شيخ والعكس، أو تعليقاته العفوية الساخرة داخل قبة البرلمان بالعامية الصحراوية التي كانت تكسر رتابة الجلسات الرسمية بذكاء فطري غريب يمزج بين التغابي والخبث البدوي المحبب.
وبذلك استطاع خطري ولد سعيد الجماني أن يخترق جدران التاريخ من بابين واسعين؛ باب السياسة والوطنية الحقة التي صنعت جزءاً من خريطة المغرب الحديث، وباب الفكاهة الشعبية التي خلخلت جديّة المؤسسات وحولت اسماً وازناً إلى أيقونة متداولة بكل حب وطرافة في تفاصيل الذاكرة الجماعية للمغاربة.














