زايوسيتي
في زوايا الذاكرة المحلية لمدينة زايو، تكمن حكايات وذكريات لا تُمحى بمرور السنين، فتمثل الصور القديمة وثائق حية وشهود صدق على حقبة زمنية راسخة في وجدان أبناء المنطقة. إنها ليست مجرد أوراق باهتة أو لقطات فوتوغرافية أبيض وأسود، بل هي نوافذ تطل بنا على “الزمن الجميل”، حيث كانت البساطة عنواناً للحياة، والقلوب نقية مفعمة بالمحبة والتضامن، واليوم نعود عبر أرشيف ذاكرة «زايوسيتي.نت» لنستنشق عبق الماضي ونستحضر تفاصيل مرحلة فارقة من تاريخنا التعليمي والرياضي والإنساني.

تتوسط هذه الصورة التاريخية النادرة فضاء مدرسة “عبد الكريم الخطابي” العريقة بمدينة زايو، موثقةً لحظة خالدة من موسم 1972/1973، وبالتحديد لتلاميذ القسم الخامس الابتدائي. يظهر في الجانب الأيمن من اللقطة الأستاذ الجليل المرحوم “البدوي أحمد”، هامة تعليمية شامخة وقامة تربوية فاضلة طبعت عقول وأجيالاً كاملة بحسن الخلق والتفاني في أداء الرسالة النبيلة، وهو ما دفع أحد تلاميذه للتعبير بصدق قائلًا: “اللهم جدد عليه الرحمات”.
ويتوسط التلاميذ لوحة سوداء كُتبت عليها بحفاوة هوية المؤسسة والصف الدراسي والسنة الدراسية، محاطين بوجوه بريئة وابتسامات صادقة تعكس طهر مرحلة الطفولة في ذلك العصر. ويبرز في الصورة رفقاء درب ووجوه محلية مألوفة استذكرها بعض الحاضرين في التعليقات كالأستاذ “حسن الحدوشي” الذي حدد مكانه بالصف الأخير (الثالث من اليسار)، ليتوالى استحضار الأسماء الطيبة التي صنعت جزءاً من ذاكرة زايو، من أمثال: سعيد الصلحيوي، لخنيفري عبد القادر، بوحوت، حميدي جمال، الحدوتي المهدي، النهاري نور الدين، وسي البدوي القريب من الصورة (ابن عم المرحوم الأستاذ أحمد البدوي)، وغيرهم ممن تركوا بصماتهم في وجدان المدينة.
لم يكن المرحوم الأستاذ أحمد البدوي مجرد معلم يلقن الدروس بين جدران الفصول الدراسية، بل كان مؤسساً حقيقياً لوعي جيل كامل، ومن الرواد الأوائل البارزين في مسار تأسيس ودعم الحركة الرياضية بمدينة زايو، وبالأخص “اتحاد زايو لكرة القدم”، حيث وظف الرياضة كأداة للتربية، وتأطير الشباب، وغرس قيم الروح الرياضية والتضامن والتنافس الشريف.
وبفضل جهود المخلصين من أمثاله ومن رجال التعليم الأجلاء الذين حملوا أمانة الرسالة التربوية بإخلاص منقطع النظير، تحولت تلك الأقسام البسيطة إلى مشاتل حقيقية لإنجاب الكفاءات والرجال. فقد تخرج من تحت أيديهم أولئك التلاميذ الذين ترعرعوا على حب الوطن والجد والاجتهاد، ليصبحوا اليوم كفاءات وطنية ودولية مشرّفة تتوزع عبر مختلف أصقاع العالم، حاملةً معها عبق زايو ومبادئ ذلك الزمن الجميل، لتظل أسماء أولئك المعلمين الرعيل الأول وسامَ فخرٍ على صدر التاريخ المحلي.
كانت تلك التفاصيل البسيطة تكفي لصنع السعادة المطلقة؛ إذ لم تكن النفوس تثقلها تعقيدات العصر الحالي ولا صخب التكنولوجيا الحديثة. كانت العلاقات الإنسانية مبنية على الجيرة الطيبة، والصدق في التعامل، والتقاسم العفوي للحظات الفرح والحزن، حتى صار المرء يتساءل بمرارة محبوبة: “يا ليت الزمان يعود ويخبره ما فعل بنا الحاضر”.
إن نبش أرشيف المؤسسات التعليمية والشارع المحلي بزايو عبر منصات مثل زايوسيتي.نت ليس مجرد ترف فكري أو استرجاع عابر للماضي، بل هو واجب أخلاقي وتاريخي لحماية الهوية المحلية من النسيان. فالأجيال الناشئة بحاجة ماسة للاطلاع على جذورها، ومعرفة التضحيات الجسام التي قدمها الرعيل الأول من المعلمين الأجلاء والرياضيين الغيورين، والظروف التي نشأ فيها آباؤهم وأجدادهم بكرامة وعزة نفس رغم شح الإمكانيات.
تظل هذه الصور بمثابة جسور متينة تربط الماضي بالحاضر، وتذكرنا بأن جوهر السعادة الإنسانية وبناء الإنسان لم يكن يوماً مرتبطاً بالوفرة المادية، بقدر ما كان مرتبطاً بالإخلاص في العمل، والدفء العائلي، والتماسك المجتمعي الذي ميّز أهل زايو عبر مختلف العقود. رحم الله فقيدنا الغالي الأستاذ أحمد البدوي ومن غادرنا إلى دار البقاء، وأطال عمر من تبقى شاهدًا على عظمة ذلك الزمن الجميل.









اللهم جدد عليه الرحمات