زايوسيتي
تختزن الذاكرة التاريخية والمجالية لمدينة زايو والمناطق المحيطة بها فصولاً غنية ومتعددة الروافد تعكس التنوع الحضاري والثقافي الذي طبع مسار حواضر الجهة الشرقية للمملكة.
وإذا كانت الرواية الشائعة تربط غالباً نشأة زايو بالقرن العشرين وبكونها مركزاً فلاحياً واستعمارياً حديثاً في سهل وادي ملوية، فإن التنقيب في الأرشيف المحلي والشهادات الحية — ومنها المعطيات الموثقة عبر منصة “زايوسيتي” — يكشف عن عمق ديموغرافي وتاريخي موغل في القدم.
ويبرز هذا العمق بأجلى عيانه من خلال الشواهد المادية والعمرانية التي صمدت أمام عوافي الزمن، وفي مقدمتها النواة السكنية التاريخية المعروفة بدقة بـ “درب اليهود” الواقع قبالة الحديقة الأندلسية الحالية، والذي يمثل رفقة معالم المنازل القديمة شاهداً حياً على نمط استقرار ترابي تميز بالتجاور والتفاعل المستمر بين مختلف مكونات الساكنة المحلية من قبائل كبدانة وأولاد ستوت وبني وكيل، بعيداً عن أشكال الانعزال التام.

تشير الشهادات التاريخية والأرشيفية المتوفرة إلى أن الطائفة اليهودية التي استقرت بزايو انحدرت من أصول “الميغوراشيم” الناطقة بالإسبانية، تماماً مثل نظيراتها في مدن الشمال كتطوان وشفشاون ومليلية، مستفيدة من السياق التاريخي للمنطقة، حيث اتسمت علاقتهم بسكان زايو بالإحترام المتبادل والوفاق التام على مستوى الأفراد والمعاملات، دون تسجيل أي صراعات عرقية أو دينية تذكر. وقد تركز نشاط هذه الأسر في عمق الحياة الاقتصادية والتجارية، حيث شكّلوا حلقة وصل حيوية بين الإنتاج الفلاحي لسهل ملوية وشبكة الأسواق الإقليمية، فبرزت أسماء عائلية وتجارية ضمن شبكة التقسيط والوساطة والخدمات التي حظيت بثقة شيوخ القبائل وسكان البوادي المحيطة.

ولا تقتصر شواهد هذا الوجود على المجال العمراني السكني وحده، بل تجسدها معالم دينية وروحية وجغرافية بارزة، في مقدمتها “الدير” أو المعبد اليهودي الذي يُعتبر أقدم معلمة دينية ومعمارية وسط مدينة زايو، حيث يعود تاريخ تأسيسه إلى سنة 1804 على يد الحاخام “حريام رابيل”، الذي عُرف بولعه بتأسيس النوى والبنيات التحتية الخاصة بالطائفة بالمنطقة، وظل هذا المعبد يؤدي أدواره الروحية والاجتماعية إلى غاية ستينيات القرن الماضي قبل أن تُغلق أبوابه.
ويتميز الموقع الجغرافي والهندسي لهذا الدير بخصوصية فريدة؛ فهو يقع تحديداً بشارع الجامعة العربية عند نقطة التقائه بشارع محمد الخامس، محاطاً بالمساكن القديمة، ويتم الولوج إليه عبر دهليز قصير تطل بوابته البسيطة على الشارع، بمعزل عن الكنيسة الكاثوليكية والمسجد اللذين غلب على تشييدهما التقارب المكاني.

وإلى جانب الدير ودرب اليهود، تبرز محطات أخرى راسخة في الذاكرة المجالية مثل موقع “واد اليهودي” الذي يحمل في تسميته امتداداً تاريخياً لذاكرة المكان بالمنطقة، فضلاً عن المعالم الروحية كضريح “عمران بن باروخ”، والمقبرة اليهودية التي كانت متواجدة بالأمس القريب أمام قنطرة سيدي عثمان قبل نقل رفاتها نحو مدينة مليلية.



ولا تفوت الإشارة هنا إلى الدفء الإنساني الذي تترجمه حكايات المعيش اليومي، مثل الصورة النادرة والحكاية المرتبطة بالمرأة اليهودية بزايو وهي “تشطف القمح”، والتي تعكس تفاصيل الاندماج الاجتماعي والتقاسم اليومي لطقوس الحياة البسيطة بين جيران الأمس في سهل ملوية، وصولاً إلى فترة الهجرة التدريجية الهادئة التي عرفتها هذه الأسر نحو حواضر كبرى أو الخارج خلال عقود الستينيات والسبعينيات مع تحولات ما بعد الاستقلال.

تتكامل ملامح الوجود اليهودي في مدينة زايو حين نتأمل طبيعة الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي مارسوها، والتي جعلت منهم حلقة وصل حيوية داخل النسيج السكاني لسهل وادي ملوية. فعلى خلاف الحواضر الكبرى التي انخرط فيها اليهود في شبكات مالية ضخمة، تمحور النشاط التجاري ليهود زايو حول تلبية الاحتياجات اليومية للساكنة وتأمين المبادلات بين المركز الحداثي الناشئ والبوادي والقبائل المجاورة (كبدانة، أولاد ستوت وبني وكيل).

شملت هذه الأنشطة بالأساس تجارة التقسيط والمؤونة، حيث أداروا دكاكين ومتاجر محلية وفرت المواد الأساسية وسلع الاستهلاك اليومي للسكان، فضلاً عن انخراطهم الواسع في تجارة الحبوب والقطاني والماشية، مستفيدين من الغطاء الفلاحي الخصب لسهل ملوية. كما برع أفراد هذه الطائفة في الوساطة التجارية بين المنتجين المحليين والأسواق الأسبوعية والإقليمية بالجهة الشرقية، محظيين بثقة واسعة من طرف شيوخ القبائل وسكان البوادي بفضل التزامهم وحرفيتهم العالية في ضبط المعاملات والموازين، وهو ما نسج علاقات تعايش وثيق وتجاور يومي طبعه الاحترام المتبادل داخل فضاءات السوق والشارع.
وإن استحضار تفاصيل هذه الصفحة المنسية من تاريخ زايو، بمعالمها المادية وتوثيقها البصري والحكائي المتمثل في درب اليهود والدير والضريح وواد اليهودي وحكايات الأصول المشتركة، لا يهدف فقط إلى التوثيق الأركيولوجي، بل يترجم نبض الذاكرة المحلية المشتركة التي تؤكد أن زايو كانت ولا تزال فضاءً للتنوع والانفتاح وقيم التعايش الإنساني الراقي الذي يستحق الصيانة للأجيال القادمة.







