زايوسيتي
بين طيات أرشيف الزمن ومخابئ الذاكرة المنسية، تطل علينا من خلال الصورة الفوتوغرافية النادرة وثيقة بصرية تنطق بملامح الوقار والشموخ؛ حيث تبرز هيئة القايد عدو بن عيسى الكبداني بلباسها التقليدي الأصيل، بين شباب متأهب بعمامة وجلباب يعكسان صلابة البدوي وهيبة الزعيم القبلي، وشيخوخة وقورة خط الزمن على محياها تجارب حقبة مسكونة بالصراع والترقب. صورة تحمل في ثنايا تدرجاتها اللونية القديمة حكايات رجل تقاطعت في سيرته أدوار السلطة، لتشكل العتبة البصرية الأجمل لمقال يروي فصولاً من تاريخ زايو وكبدانة.

يحتفظ التاريخ المحلي لمنطقة زايو وضفاف وادي ملوية بصفحات مشتعلة من المقاومة والتحولات السياسية العميقة التي ميزت مطلع القرن العشرين، حيث يبرز اسم القايد عدو بن عيسى المنحدر من فرقة الزخنين التابعة لقبيلة كبدانة، كواحدة من الشخصيات المحورية التي تقاطعت في مسارها دروب المقاومة والعمل الوطني الخفي في مواجهة المد الاستعماري.
من مخاض “بوحمارة” إلى صفوف المقاومة مع الشريف أمزيان
بدأ الظهور التاريخي للقايد عدو حين عينه الجيلالي الزرهوني المعروف بـ”بوحمارة” قائداً ضمن الترتيبات الإدارية لقبائل المنطقة بعد استقراره ببني بويفرور سنة 1905. غير أن الغليان الشعبي ضد تفويت الثروات والمعادن للشركات الإسبانية أشعل جذوة الغضب في الجهة الشرقية. وإثر هزائم “بوحمارة” وتفكيك معاقله، نجح الزعيم المجاهد محمد أمزيان في استقطاب القايد عدو الزخنيني لصفوف المقاومة سنة 1909 لمقارعة الاحتلال الإسباني جنباً إلى جنب مع أحرار القبائل.
زايو في صلب الأحداث: البناء والمراقبة وتحركات الظل
بعد مرحلة من التمترس ببركان سنة 1910، عاد القايد عدو إلى موطنه بإزخنينن إثر إستمالة الإسبان له، حيث بُني له منزل بـزايو اعتبر من أوائل الدور التي شُيدت لأول قائد بالمركز. ورغم الترتيبات الرسمية والاستعراضات العسكرية الشكلية التي فرضها الاحتلال في تلك الفترة — كاستقبال الشخصيات الإسبانية وتأسيس فرق الخيالة بقيادته رفقة القايد بوصفية وتوثيق ذلك في الصحف الإسبانية كجريدة “أيه بي سي” (ABC) — تؤكد الروايات الشفوية والتقارير الموازية أن القايد عدو لم يشارك قط في أي حملة عسكرية صريحة إلى جانب الإسبان ضد أبناء وطنه، بل ظل وفياً لروح المقاومة.
الدعم الخفي لثورة الريف والنهاية التراجيدية
مع اندلاع حرب الريف الكبرى والتعبئة الواسعة التي قادها البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي سنة 1921، انخرط الآلاف من أبناء كبدانة في صفوف المقاومة تلبية لنداء التحرير. وطوال هذه السنوات العصيبة، كشفت الوثائق والأبحاث التاريخية — ولا سيما ما وثقه المؤرخ د. حسن الفكيكي وإطارات الذاكرة المحلية — أن القايد عدو كان ينسق سراً ضد مصالح السلطات الإسبانية بالمنطقة الشرقية.
هذا الدور النضالي الخفي لم يمر دون أن يثير حفيظة المحتل؛ ففي سنة 1924، وبعد أن اكتشف الإسبان حقيقة ارتباطه وولائه الخفي للمقاومة وخدمته لمصالح الوطن، نصبوا له كميناً محكماً ببلدة زايو ليتم اغتياله رمياً بالرصـ..ـاص نواحي سيدي عثمان، خاتماً بذلك حياة حافلة بالتقلبات والوفاء الخفي للتربة والأرض، لتبقى صورته وسيرته محفورة في وجدان الذاكرة التاريخية المحلية كرمز من رموز الشجاعة والتضحية.











