زايوسيتي
غيمات ملبدة ومواجهات صامتة تلك التي باتت تخيم على ردهات السلطة والتدبير التنفيذي بالمغرب، معلنة عن انتقال التوتر الخفي بين رئيس الحكومة عزيز أخنوش والوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع من كواليس الكواليس إلى واجهة النقاش العمومي.
لم تعد هذه الكواليس تستوعب حجم التدافع القائم بين رجلين يجسدان قطبين رئيسيين في هندسة السياسات العمومية؛ أحدهما يستند إلى شرعية الحزب الأغلبي وقوة الإمبراطورية الاقتصادية، والآخر يتكئ على نجاحات تكنوقراطية مراكمة وشعبية عريضة نحتها عبر مدخل الشأن الكروي وتدبير المالية العمومية.
وما بدأ كأقاويل تتناقلها صالونات الرباط السياسية، تحول تدريجياً إلى واقع ملموس تؤكده تقاطعات المصالح واحتكاك النفوذ، لا سيما بعد الانخراط السياسي المعلن لـلقجع والتحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، وهو التحول الذي قلب موازين القوى داخل الأغلبية الحكومية ذاتها.
إن المتأمل في خريطة هذا التنافس يدرك تمام الإدراك أن جذور الصراع لا تستند إلى خلاف شخصي عابر، بل تجد مسوغاتها في صراع عميق حول المواقع واستشراف المستقبل السياسي والانتخابي للبلاد. فعزيز أخنوش، الذي قاد حزب التجمع الوطني للأحرار إلى صدارة المشهد بمعمار انتخابي ومؤسساتي واضح، يسعى جاهداً إلى حماية أغلبيته وتفادي أي زحزحة لمراكز القرار داخل الحكومة أو هندسة التحالفات.
وفي المقابل، وجد فوزي لقجع نفسه في موقع الرقم الصعب؛ كرقم تكنوقراطية تدبيرية لا يُستغنى عنه، ورقم سياسي جديد يفرض إيقاعه عبر بوابات تدبيرية حساسة كقطاع الميزانية وواجهة التسيير الرياضي القاري والدولي. هذا الصعود المتسارع لـلقجع وجد صداه في مقاعد وازنة وحركية ميدانية خلقت حساسية مفرطة لدى قيادات الأحرار، الذين باتوا ينظرون إلى هذا البروز كتهديد مباشر لهيمنتهم على واجهة القرار التنفيذي والتسويق السياسي للإنجازات الحكومية.
وتتجسد الحجج الدامغة على هذا الصراع المستعر في تباين المقاربات والخرجات الميدانية والتنافس الخفي حول تسويق الصورة المؤسساتية للنجاح والفشل. فحين تحاصَر الحكومة بأسئلة الشارع الحارقة وأزمات القدرة الشرائية وغلاء المعيشة، تبرز لغة التملص والبحث عن كشتبان المسؤولية، حيث تحاول كل جهة إبراز استقلاليتها في التدبير وتبرئة ذمتها من الإخفاقات.
وما شهدته بعض المحطات الجهوية الكبرى، من تدافع وتنافس حاد على افتتاح المشاريع وتسليط أضواء الإعلام، إلا مرآة عاكسة لرغبة كل طرف في تصدر المشهد واستقطاب رضا دوائر القرار العليا. إن لغة “شد الحبل” لم تعد محصورة في غرف مجالس الحكومة المغلقة، بل امتدت لتفرز قطيعة صامتة تعطل أحياناً وتيرة التناغم المفروض أن يطبع عمل فريق يفترض فيه الانسجام لمواجهة تحديات مرحلة دقيقة تمر منها البلاد.
وما يضاعف من حدة هذا التدافع هو الرهان الاستراتيجي على استحقاقات ما بعد الولاية الحكومية الحالية وإعادة تشكيل الخريطة السياسية للبلاد. فالمؤسسات الحزبية اليوم تعيش مخاضاً حقيقياً لإعادة التموضع، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي بات يستقطب وجوهاً وازنة بحجم لقجع يراهن على كسر الاحتكار العددي والسياسي المفروض من طرف حليف الأمس واليوم.
هذا المخاض يضع المشهد الديمقراطي المغربي أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن ينتصر منطق التكامل وتغليب المصلحة الوطنية العليا فوق اعتبارات التنافس الشخصي والحزبي الضيق، وإما أن يستمر هذا النزيف الصامت ليفرغ العمل الحكومي من محتواه الرقابي والتضامني، ويحول المؤسسات إلى ساحة حرب باردة تدفع البلاد ثمنها غاليا في مرحلة تاريخية تحتّم تضافر الجهود لا تقاطعها.








