خافيير بيريث رويو JAVIER PEREZ ROYO, دكتور جامعي وأستاذ فخري للقانون الدستوري بجامعة إشبيلية، شغل مهنة التدريس الجامعي منذ 1966، كما ترأس جامعة إشبيليةبين 1988 و 1992، وحضي برئاسة مؤتمر رؤساء الجامعات الإسبانية، خرج في تصريح صحافي قبل أيام نشرته صحيفة ELDIARIO حول مدينتي سبتة ومليلية، بحمولة تاريخية وازنة.
فهو ليس إسماً مجهولاً أو معلقاً عابراً على أزمة كونية هي الهجرة، بل خبير في العلاقات الدولية ومتمكن من العلاقات المغربية الإسبانية وكذا تاريخ البلدين ومؤلفاً لكتب حول الحكم الذاتي والقضاء الدستوري.
كلام وجد صداً كبيراً في إسبانيا، حول مدينتي سبتة ومليلية، هدم به صخرة الوهم التي لازال الكثيرون يرددونها حول إسبانية مدينتي سبتة ومليلية، المتواجداتين داخل التراب المغربي و في قارة أفريقيا.
هو كلام بحمولة تاريخية قوية، صادر عن متمكن من تاريخ الجزيرة الإيبيرية وشمال أفريقيا، وأحد أبرز فقهاء القانون الدستوري، تحت عنوان “سبتة ومليلية مازالتا أرضاً أفريقية”.
الرجل يوصف بأنه أحد أبرز فقهاء القانون الذين طوروا علم القانون الدستوري في إسبانيا، وأسس مدرسة علمية كونت باحثين ومتخصصين، كما شارك في لجنة صياغة نظام الحكم الذاتي في الأندلس.
ماذا كتب هذا الفقيه الدستوري عن سبتة ومليلية؟
عاد بيريث رويو إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي وصياغة دستور 1978، مذكّراً بأن «الكتاب الأبيض للإصلاح الديمقراطي»، الذي أصدره سنة 1976 تيار سياسي محافظ ارتبط بمانويل فراغا، طرح صراحة أن إسبانيا لن تجد على المدى البعيد بديلاً عن التفاوض مع المغرب بشأن «وضع خاص أو نقل للسيادة» في سبتة ومليلية، على غرار الصيغة التي كانت مدريد تطالب بها بريطانيا في قضية جبل طارق.
كما ذكّر الفقيه الدستوري الإسباني. بأن مرسوم الحكم الذاتي التمهيدي للأندلس سنة 1978 ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال إدماج المدينتين في جهة الأندلس، قبل أن ينتهي المسار الدستوري إلى وضع استثنائي ومختلف لهما.
ومن خلال قراءته لهذا المسار، يميز بيريث رويو بوضوح بين جنسية السكان وبين طبيعة الإقليم. فالسكان، حسب رأيه، إسبان ويتمتعون بحقوقهم كاملة، لكن الأرض التي تقوم عليها المدينتان ليست إسبانية بالمعنى الدستوري والتاريخي نفسه الذي تُعد به أراضي شبه الجزيرة أو جزر البليار والكناري إسبانية.
ويلخص موقفه بعبارة شديدة الوضوح:
«قد تكون سبتة شديدة الإسبانية، لكنها ليست إسبانية؛ السكان نعم، أما الإقليم فلا».
ويرى أن التعبير الحقيقي الذي يصف وضعهما هو «مواقع تحت السيادة الإسبانية». وهذا يعني، في تحليله، أن إسبانيتهما ليست أصيلة في الأرض، بل ناتجة عن سيادة تفرضها الدولة وتحافظ عليها بقوتها. فإذا عجزت إسبانيا يوماً عن إبقاء تلك السيادة، فلن تعود المدينتان إسبانيتين.
ويستدل كذلك بوضعهما الاستثنائي داخل المنظومة الأوروبية والأطلسية: فهما غير مشمولتين صراحة بالنطاق الجغرافي التقليدي للمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، كما تخضعان لنظام خاص في التنقل وشنغن، خلافاً للأراضي الإسبانية الأوروبية العادية.
الأهم أن بيريث رويو يصرح بأنه لا يعتقد أن المجتمع الإسباني سيكون مستعداً لخوض حرب من أجل الاحتفاظ بالسيادة على سبتة ومليلية، ويرى أن التعامل مع مستقبلهما لا يمكن أن يكون عسكرياً.
بالطبع، هذا المقال ليس إعلاناً رسمياً من الحكومة الإسبانية. لكن أهميته تكمن في أن هذا الكلام يصدر من داخل إسبانيا، وعلى لسان فقيه دستوري من الصف الأول، يعرف دستور الدولة ومسار صياغته وهندستها الترابية أكثر من أغلب السياسيين الذين يكررون شعارات «الإسبانية الأبدية».
بالنسبة إلينا نحن المغاربة، يؤكد هذا الرأي أن قضية سبتة ومليلية ليست اختراعاً دعائياً مغربياً ولا نزوة توسعية كما يحاول بعض المتطرفين الإسبان تصويرها، بل إشكال تاريخي وقانوني واستعماري حاضر حتى داخل الفكر الدستوري الإسباني نفسه.
سبتة ومليلية أرض إفريقية مرتبطة جغرافياً وتاريخياً ووجدانياً بالمغرب. أما الجنسية الإسبانية لسكانهما وحقوقهم ومصالحهم، فيمكن ويجب ضمانها كاملة في إطار حل سلمي وتفاوضي يحفظ كرامة الجميع، وينهي آخر بقايا الوجود الاستعماري في شمال المغرب.
المغرب لا يحتاج إلى تزوير التاريخ؛ فالتاريخ والجغرافيا، واليوم أصوات قانونية وازنة من قلب إسبانيا، تتكفل بتفكيك الرواية الاستعمارية من داخلها.








