زايو سيتي
يحظى الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف بمكانة خاصة في الذاكرة الجماعية للمغاربة، إذ تجاوزت المناسبة، على امتداد قرون، كونها موعداً دينياً يتكرر كل عام، لتتحول إلى محطة اجتماعية وثقافية تتداخل فيها مظاهر العبادة والفرح وصلة الرحم والمديح النبوي والعادات المحلية المتوارثة.
وتشير وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى أن الاحتفال بالمولد النبوي في المغرب يعود إلى القرن السابع الهجري، قبل أن يتطور تدريجياً ويأخذ طابعاً رسمياً وشعبياً، ليصبح مع مرور الزمن أحد المظاهر المرتبطة بالهوية الدينية والثقافية للمجتمع المغربي.
وتتنوع مظاهر الاحتفال من مدينة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، لكنها تلتقي في التعبير عن الفرح بالمناسبة واستحضار السيرة النبوية والإكثار من الصلاة والسلام على النبي. ففي المساجد والزوايا والبيوت، تنظم مجالس الذكر وتلاوة القرآن وقراءة السيرة والقصائد والمدائح النبوية، فيما تتحول المناسبة داخل الأسر إلى فرصة للاجتماع وتبادل الزيارات وتقوية صلة الرحم.
ويحتل المديح النبوي مكانة بارزة في الذاكرة المغربية المرتبطة بالمولد، إذ ترسخ الإنشاد وترديد القصائد عبر الأجيال كأحد أشكال التعبير عن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصبح جزءاً من الموروث الأدبي والفني والديني الذي حافظ عليه المغاربة داخل المساجد والزوايا والمجالس الخاصة.
ولا تقتصر مظاهر الاحتفال على الجانب الديني، إذ ارتبطت المناسبة بعادات اجتماعية وغذائية متنوعة. وتستعد الأسر بإعداد أطباق وحلويات تقليدية، وارتداء الملابس الجديدة أو التقليدية، واستقبال الأقارب والجيران، بينما تحتفظ بعض المناطق بطقوس وعادات خاصة تعكس خصوصية كل مدينة وتاريخها المحلي.
وتبرز مدينة سلا بشكل خاص من خلال «موكب الشموع»، الذي أصبح واحداً من أشهر الطقوس المرتبطة بالمولد النبوي في المغرب. ويرتبط هذا التقليد بالعهد السعدي، واستمر عبر القرون، حيث يحمل المشاركون الشموع المزخرفة ويجوبون شوارع المدينة العتيقة في أجواء احتفالية ترافقها فرق موسيقية وفنون شعبية.
ويجسد موكب الشموع جانباً من خصوصية الاحتفال المغربي بالمولد، إذ تتداخل الشموع المزخرفة والأزياء التقليدية والإنشاد والفنون الشعبية في مشهد يجمع بين البعد الديني والاجتماعي والفني والتراثي، ويعيد كل عام إحياء جزء من الذاكرة الثقافية لمدينة سلا.
وفي مناطق أخرى من المملكة، تأخذ المناسبة أشكالاً مختلفة، من حلقات الذكر والسماع إلى مجالس المديح والقراءة الجماعية للسيرة النبوية. وتظل المساجد والزوايا والبيوت فضاءات أساسية للحفاظ على هذه التقاليد، بينما تتولى الأسر نقل جانب كبير منها إلى الأجيال الجديدة من خلال المشاركة في الطقوس والعادات.
كما يحمل المولد النبوي بالنسبة إلى المغاربة معنى اجتماعياً واضحاً، فهو مناسبة للقاء أفراد العائلة وتجديد صلة الرحم وتبادل التهاني وتقاسم الطعام والفرح، خصوصاً في ظل انشغالات الحياة اليومية التي أصبحت تقلل من فرص الاجتماع العائلي.
وتكشف القراءة التاريخية للاحتفال بالمولد في المغرب عن تطور مظاهره عبر الزمن، لتشمل اللباس والطبخ والتزيين والإنشاد والاجتماع وإحياء ليالي الذكر في المساجد والزوايا والبيوت، وهو ما جعل المناسبة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية وحضارية، إلى جانب بعدها الديني.
وقد مر الاحتفال بالمولد بمراحل تاريخية مختلفة، قبل أن ينتشر ويتخذ أشكالاً متنوعة عبر العصور، لتصل بعض مظاهره الشعبية إلى يومنا هذا، محافظة على حضورها في عدد من المدن والمناطق المغربية.
ولعل أهم ما يميز المولد النبوي في الذاكرة المغربية هو قدرته على الجمع بين المحافظة على الموروث والتجدد. فقد تختلف طرق الاحتفال بين الأجيال، لكن جوهر المناسبة يظل حاضراً من خلال المديح والزيارات والاجتماع العائلي واستحضار السيرة النبوية.
ومن شموع سلا إلى مجالس المديح في المساجد والزوايا، مروراً بالأطباق التقليدية والملابس والزيارات العائلية، صنعت هذه التفاصيل عبر الزمن صورة متكاملة لمناسبة راسخة في الوجدان الشعبي المغربي.
وفي زمن تتغير فيه العادات وأنماط الحياة بسرعة، يواصل المولد النبوي حضوره باعتباره مناسبة للفرح واستحضار السيرة والتعبير عن المحبة، وفي الوقت نفسه فضاءً للحفاظ على جانب من التراث غير المادي للمغاربة، وإعادة وصل الحاضر بموروث ديني وثقافي تشكل عبر قرون من التاريخ المغربي.








