زايو سيتي
في مشهد يعكس قوة الروابط التي تجمع أبناء المنطقة بوطنهم الأم، تحوّل فضاء مسجد الحاسي بدوار السبت، التابع لجماعة أولاد داوود أزخانين، إلى قبلة لآلاف الزوار الذين توافدوا لإحياء الوعدة السنوية إحدى أبرز المناسبات الدينية والاجتماعية التي تحافظ على حضورها في ذاكرة الساكنة جيلاً بعد جيل.
وشهدت هذه المناسبة، التي تعد من أبرز المحطات السنوية بالمنطقة، مشاركة واسعة لأبناء القبيلة العائدين من بلدان أوروبية، حيث تحولت إلى فضاء يجمع العائلات ويعيد إحياء قيم التضامن وصلة الرحم، إلى جانب تكريس العادات والتقاليد التي حافظت عليها الساكنة على امتداد عقود.
واتسمت أجواء الوعدة بطابع إيماني مميز، حيث احتضن مسجد الحاسي حلقات لتلاوة القرآن الكريم، وتقديم الأمداح النبوية، إلى جانب دروس دينية تناولت قيم التآخي والتكافل، وسط حضور كبير من الرجال والنساء والشباب، في أجواء طبعتها السكينة والخشوع.
ولم تقتصر المناسبة على بعدها الديني، بل شكلت كذلك موعداً اجتماعياً بامتياز، إذ حرص المنظمون على استقبال الوفود وتقديم وجبات من المطبخ المحلي، في تجسيد لثقافة الكرم التي تشتهر بها المنطقة، ولتعزيز أواصر التواصل بين أبناء القبيلة داخل المغرب وخارجه.
كما استغلت الجمعيات المنظمة هذا اللقاء السنوي لتقديم حصيلة مشاريعها المنجزة خلال سنة 2026، حيث تم استعراض مختلف المبادرات الاجتماعية والإنسانية التي استهدفت أبناء المنطقة، مع التأكيد على مواصلة تنفيذ برامج تنموية تستجيب لانتظارات الساكنة.
ومن بين أبرز المبادرات التي تم الكشف عنها، برنامج دعم التمدرس والتكوين المهني، الذي استفاد منه 28 شاباً وشابة من أبناء أولاد داود أزخانين، بهدف تأهيلهم مهنياً وتسهيل ولوجهم إلى سوق الشغل، في إطار رؤية تروم الاستثمار في العنصر البشري وتشجيع الشباب على اكتساب مهارات تؤهلهم لمستقبل أفضل.
وشهد اللقاء أيضاً جلسة تواصلية بين المنظمين والحاضرين، خُصصت لاستعراض المشاريع المستقبلية والاستماع إلى المقترحات والأفكار الرامية إلى تطوير أداء الجمعيات وتوسيع نطاق تدخلاتها الاجتماعية لفائدة أبناء القبيلة.
واختتمت فعاليات الوعدة برفع أكف الضراعة إلى الله تعالى بأن يحفظ أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، وأن يديم على المملكة نعمة الأمن والاستقرار، قبل أن يوجه المنظمون كلمات الشكر إلى جميع المتطوعين والمحسنين وأفراد الجالية الذين ساهموا في إنجاح هذه التظاهرة.
وتواصل الوعدة السنوية بمسجد الحاسي ترسيخ مكانتها كموعد يجمع بين البعد الديني والاجتماعي والتنموي، ويؤكد أن أبناء أولاد داود أزخانين، رغم استقرار عدد كبير منهم ببلدان المهجر، ما زالوا أوفياء لمنطقتهم، حريصين على الحفاظ على ذاكرتها الجماعية وتقاليدها المتوارثة جيلاً بعد جيل.

































































جزى الله خيرًا كل من يساهم في هذا اللقاء، ويطعم الناس، ويستقبل الأهل القادمين من الخارج، ويحرص على صلة الرحم وجمع أبناء القرية على الخير. فهذه أعمال طيبة حثّ عليها الإسلام.
وهذا التذكير ليس طعنًا في آبائنا، ولا في الأئمة، ولا في أهل قريتنا، وإنما المقصود التفريق برفق بين العادة الاجتماعية الحسنة وبين العبادة الدينية.
فاجتماع العائلات في العطلة الصيفية بسبب حضور أبناء الجالية، وإكرام الضيوف، وإطعام الطعام، والصدقة على المحتاجين، كلها أعمال مشروعة. ولا حرج في اختيار الصيف لأسباب تنظيمية، ما دام الناس لا يعتقدون أن هذا اليوم له فضل ديني خاص.
لكن إذا تحولت «الوعدة» إلى مناسبة دينية سنوية ثابتة، لها شعائر وكيفيات تتكرر كل سنة، وجب أن نسأل عن الدليل. قال رسول الله ﷺ:
«مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
رواه البخاري ومسلم.
فتلاوة القرآن، والذكر، والدعاء، والصلاة على النبي ﷺ عبادات عظيمة ومشروعة. ولكن اجتماع الناس عليها بصوت واحد، وفي وقت واحد، وبنغمة واحدة، واتخاذ ذلك عادة دينية ثابتة، لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم.
وكان الإمام مالك رحمه الله يكره اجتماع الناس على قراءة السورة الواحدة بصوت واحد. وقد أجاز بعض متأخري المالكية ذلك لأجل التعليم، لكن علماء مثل الشيخ ابن باز، والشيخ الألباني، والشيخ ابن عثيمين، واللجنة الدائمة، بيّنوا أن القراءة الجماعية والذكر والصلاة على النبي ﷺ بصوت واحد، إذا اتُّخذت عبادة راتبة وهيئة ثابتة، فهي من البدع في كيفية العبادة.
وأما الدعاء، فإن دعا الإمام وأمّن الناس على دعائه بقولهم «آمين»، فهذا قد يكون جائزًا. لكن لا ينبغي اتخاذه طقسًا دينيًا لازمًا في كل سنة، أو اعتقاد أنه جزء ثابت من الدين.
ويجب أيضًا التفريق بين البدعة والشرك. فقد يكون العمل بدعةً ولا يكون شركًا. ولا يكون شركًا أكبر إلا إذا وُجد دعاء للأموات، أو ذبح لأصحاب القبور، أو طلب الغوث من غير الله. فلا يجوز اتهام الناس بالشرك دون دليل.
والحل واضح: نحافظ على اجتماع العائلات، واستقبال أبناء الجالية، وإطعام الطعام، ومساعدة الفقراء، وصلة الأرحام والمواعظ النافعة. وأما القرآن، فيقرأ شخص وينصت الآخرون، أو يقرأ كل واحد بمفرده، أو يتناوب الحاضرون على القراءة. ويذكر كل مسلم ربه، ويدعوه، ويصلي على النبي ﷺ بنفسه، وفق السنة.
قال الله تعالى:
﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
سورة النساء، الآية 59.
المقصود ليس تفريق الناس، وإنما الحفاظ على الخير، وترك ما لم يثبت، والتمسك بالقرآن والسنة بالحكمة والرفق والإخلاص. نسأل الله أن يهدي الجميع ويتقبل منهم صالح الأعمال