لم تصدر الحكومة المغربية والأحزاب السياسية المكونة لأغلبيتها البرلمانية أي تصريح أو بان توضيح لحدود في الأحداث المتسارعة التي شهدها المعبر الحدودي بسبتة المحتلة.
وخلف غياب أي تواصل حكومي رسمي موجة من الغضب والانتقاذات اللاذعة لدى الرأي العام المغربي، معتبرين أن الصمت الحكومي دليل آخر على مدى العجز في بناء تواصل مؤسساتي فعال أثناء الأزمات أو الظروف الرسمية التي قد يمر منها المغرب بين الفينة والأخرى.
الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية في جامعة القاضي عياض، اعتبر أن “تحليل الصمت الحكومي وصمت مكونات الأغلبية البرلمانية بخصوص الأحداث التي يشهدها المعبر الحدودي بسبتة ينبغي أن يتم بمنطق الدولة، وليس فقط بمنطق التفاعل الإعلامي السريع. ففي القضايا المرتبطة بالحدود والسيادة والعلاقات مع الجوار، غالبا ما تعتمد الدول، ومن بينها المغرب، مقاربة تقوم على ضبط الخطاب الرسمي إلى حين استكمال المعطيات وتقدير مختلف الأبعاد الأمنية والدبلوماسية والسياسية”.
واعتبر استاتي زين الدين أن “غياب التصريحات في مرحلة معينة لا يعني بالضرورة غياب المتابعة أو غياب القرار، وإنما قد يعكس اختيارا مؤسساتيا لتدبير ملف حساس بعيدا عن ردود الفعل الآنية”.
ويرى ذات الخبير في الشأن السياسي أنه “لا يمكن إغفال أثر الثقافة السياسية المغربية، التي اتسمت تاريخيا بمركزية المؤسسة الملكية في تدبير القضايا الاستراتيجية والسيادية. وقد ساهم هذا المعطى في ترسيخ نمط من الانتظار لدى جزء من الفاعلين السياسيين والمؤسسات، إلى حين صدور التوجيه أو الموقف الرسمي في الملفات الحساسة”.
في المُقابل، يرى ذات المتحدث أن “هذا الواقع يطرح في المقابل تحديا يتعلق بتفعيل الأدوار الدستورية لباقي المؤسسات، كل من موقعه واختصاصاته، خاصة الحكومة والأغلبية البرلمانية، فالتواصل المؤسساتي لا يتعارض مع مركزية المؤسسة الملكية في القضايا الاستراتيجية، بل يشكل آلية مكملة لتوضيح المعطيات وتدبير النقاش العمومي، بما ينسجم مع روح دستور 2011، ويعزز حضور المؤسسات في ممارسة اختصاصاتها ومسؤولياتها”.
وفي هذا الصدد، شدد ستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية في جامعة القاضي عياض، أن “التواصل العمومي يظل عنصرا أساسيا في تدبير الأزمات، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تستقطب اهتمام الرأي العام الوطني والدولي،حيث أن فراغ المعلومة، ازدادت مساحة التأويلات والإشاعات، وهو ما قد ينعكس سلبا على ثقة المواطنين وعلى صورة المؤسسات”.
ومن زاوية سياسية، يضيف ذات الخبير أن “الرأي العام اليوم أصبح أكثر مطالبة بالتواصل الاستباقي والشفافية، ليس فقط في الأزمات، وإنما في مختلف القضايا التي تمس الشأن العام. وهذا يفرض على المؤسسات العمومية تطوير استراتيجياتها التواصلية بما يحقق توازنا بين مقتضيات الحفاظ على المصالح العليا للدولة، وبين حق المواطنين في الحصول على المعلومة من مصادرها الرسمية. فالتواصل الفعال أصبح جزءا من تدبير الأزمة، وليس مجرد مرحلة تأتي بعد انتهائها”.
وختم استاتي زين الدين تصريحه باعتبار أن “المرحلة الحالية تستدعي خطابا مؤسساتيا رصينا يوازن بين التحفظ الذي تفرضه طبيعة الملف، وبين الحاجة إلى طمأنة الرأي العام. فالدولة مطالبة بالحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، لكنها في الآن نفسه مطالبة بتقوية الثقة بين المؤسسات والمواطنين عبر تواصل مسؤول وهادئ ودقيق، وهذا التوازن هو الذي يمنح الخطاب الرسمي المصداقية، ويحد من انتشار التأويلات، ويعزز قدرة المؤسسات على إدارة الملفات الحساسة بكفاءة وهدوء”.








