سعيد قدوري
أثارت صحيفة “ماركا” الإسبانية جدلا واسعا بين الجماهير المغربية بعد نشرها لمقال اعتبره كثيرون مستفزا ويحمل إيحاءات تقلل من قيمة الإنجاز الذي حققه المنتخب الوطني المغربي في نهائيات كأس العالم 2026.
الصحيفة الإسبانية وصفت ما حدث خلال مباراة المغرب والبرازيل بأنه “حدث تاريخي”، مشيرة إلى أن المنتخب المغربي ضم في إحدى فترات اللقاء أحد عشر لاعبا على أرضية الملعب دون أن يكون أي واحد منهم قد ولد داخل التراب المغربي، مستعرضة بلدان ازدياد اللاعبين بين كندا وإسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا.
غير أن هذا الطرح أثار موجة من الانتقادات، لكونه يتجاهل حقيقة أساسية تتمثل في أن هؤلاء اللاعبين مغاربة الأصل والانتماء، وينحدرون من أسر مغربية هاجرت إلى الخارج، وظلت محافظة على ارتباطها الوثيق بالوطن الأم وثقافته وهويته.
فالمغاربة المقيمون بالخارج يشكلون امتدادا طبيعيا للمغرب، وأبناؤهم لا يفقدون هويتهم الوطنية بمجرد ولادتهم في بلد آخر. بل إن اختيار هؤلاء اللاعبين حمل القميص الوطني المغربي، رغم توفرهم في كثير من الأحيان على فرص تمثيل منتخبات أوروبية قوية، يعكس حجم الارتباط العاطفي والوجداني الذي يجمعهم ببلدهم الأصلي.
ويبدو أن صحيفة “ماركا” تناست أو تجاهلت أن عددا من المنتخبات العالمية الكبرى اعتمدت عبر تاريخها على لاعبين من أصول متعددة. ولعل أبرز مثال على ذلك المنتخب الفرنسي المتوج بكأس العالم سنة 2018، والذي ضم في صفوفه عددا كبيرا من اللاعبين المنحدرين من أصول إفريقية وعربية وكاريبية، في وقت لم يثر فيه الأمر أي جدل مماثل من طرف الصحيفة الإسبانية أو غيرها من المنابر الأوروبية.
كما أن قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم تتيح للاعبين مزدوجي الجنسية اختيار المنتخب الذي يرغبون في تمثيله وفق ضوابط محددة، وهو ما يجعل حضور هؤلاء اللاعبين مع المغرب أمرا طبيعيا ومشروعا، بل ويعكس نجاح المملكة في الحفاظ على روابطها مع أبنائها عبر العالم.
إن قوة المنتخب المغربي لا تكمن في مكان ولادة لاعبيه، بل في شعورهم العميق بالانتماء إلى وطنهم، وفي استعدادهم للدفاع عن ألوانه في أكبر المحافل الدولية. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الهوية المغربية أقوى من الحدود الجغرافية، وأن أبناء الجالية يظلون أوفياء لجذورهم مهما كانت البلدان التي ولدوا أو نشؤوا فيها.
وفي الوقت الذي حاولت فيه “ماركا” تقديم المعطى على أنه مفارقة مثيرة، رأى كثير من المغاربة فيه مصدر فخر واعتزاز، لأنه يعكس قدرة المغرب على توحيد أبنائه حول الراية الوطنية، سواء ولدوا في الرباط أو الدار البيضاء أو باريس أو بروكسيل أو أمستردام أو مونتريال. فالمغربية ليست مجرد مكان ولادة، بل انتماء وهوية وارتباط لا تنقطع جذوره مهما ابتعدت المسافات.








