عاد ملف قوارب التهريب السريعة إلى واجهة السواحل الجنوبية لإسبانيا، بعدما فوجئ مصطافون، الثلاثاء، بظهور قارب شبه صلب على شاطئ لا باروسا ببلدة تشيكلانا في إقليم قادس، في مشهد يعكس استمرار ضغط شبكات المخدرات على الواجهة البحرية القريبة من مضيق جبل طارق.
وذكرت صحيفة “دياريو دي قادس” أن القارب ظهر قبالة الشاطئ حوالى الثالثة والنصف بعد الزوال، عند خط العوامات، قبل أن تدفعه حركة المد تدريجيا نحو الرمال، ليصل إلى اليابسة حوالى الرابعة والنصف، أمام أنظار عشرات المصطافين في المنطقة الثالثة من لا باروسا، قرب مطعم شاطئي معروف.
وبحسب الشهادات التي نقلتها الصحيفة، فقد بدا القارب مهجورا ولم يكن يحمل أي شحنة ظاهرة داخله. غير أن حجمه وطبيعته شبه الصلبة جعلاه محط أنظار الموجودين، قبل أن يحضر عناصر من الحرس المدني الإسباني إلى المكان.
وحاول جرار سحب القارب من الشاطئ، غير أن العملية لم تنجح بسبب حجمه ووزنه، ليظل عالقا في الرمال في انتظار تدخل جديد لإبعاده.
وتستعمل الصحافة الإسبانية تسمية “ناركولانتشا” للإشارة إلى القوارب السريعة التي ترتبط عادة بشبكات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة. وهي قوارب شبه صلبة أو مطاطية عالية السرعة، جرى تشديد الرقابة عليها في إسبانيا منذ سنة 2018، حين أقرت الحكومة الإسبانية حظر استعمال هذا النوع من القوارب في سياق مكافحة تهريب المخدرات والبشر عبر البحر.
ولا تبدو واقعة لا باروسا حادثا معزولا في سواحل قادس. فقد أشارت الصحيفة الإسبانية إلى أن شواطئ تشيكلانا، خاصة لا باروسا وسانكتي بيتري، سجلت خلال السنوات الأخيرة وقائع مماثلة لقوارب من هذا النوع عُثر عليها عالقة أو مهجورة قرب الساحل.
وتقع قادس ضمن المجال البحري الأكثر حساسية في جنوب إسبانيا، حيث تراقب السلطات الإسبانية منذ سنوات مسارات تستعملها شبكات التهريب بين الواجهة الأطلسية للأندلس ومحيط مضيق جبل طارق.
وتشمل خطة الأمن الخاصة بحقل جبل طارق، التي أطلقت سنة 2018 وجرى تمديدها، ست مقاطعات أندلسية، بينها قادس ومالقة وهويلفا وغرناطة وألمرية وإشبيلية.
وخصصت وزارة الداخلية الإسبانية، برسم سنة 2026، غلافا ماليا قدره 38,2 مليون أورو للخطة الأمنية الخامسة الخاصة بحقل جبل طارق، الممددة إلى نهاية 2027، من أجل تعزيز الموارد البشرية والوسائل التقنية والمادية للشرطة الوطنية والحرس المدني.
وتظهر الأرقام الرسمية الإسبانية حجم الضغط الذي تفرضه شبكات التهريب في الجنوب. فمنذ يوليوز 2018 إلى نهاية دجنبر 2025، مكنت الخطة الأمنية من تنفيذ أكثر من 47 ألف عملية، وتوقيف أو التحقيق مع أكثر من 31 ألف شخص في قضايا مرتبطة بالمخدرات والتهريب، فضلا عن حجز أكثر من ألفي قارب ووسيلة بحرية.
وفي سنة 2024 وحدها، أعلنت السلطات الإسبانية حجز 299 وسيلة بحرية، قالت إن معظمها من قوارب التهريب السريعة، بارتفاع ناهز 55 في المائة مقارنة بسنة 2023، إلى جانب حجز أكثر من 264 ألف كيلوغرام من المخدرات في المقاطعات الأندلسية المشمولة بالخطة.
وتكتسب هذه الوقائع أهمية خاصة من منظور مغربي، بالنظر إلى أن الجنوب الإسباني، ولا سيما قادس ومحيط المضيق، يشكل امتدادا مباشرا للفضاء البحري المقابل لشمال المغرب.
ولذلك لا تظل أخبار قوارب التهريب في الأندلس شأنا إسبانيا داخليا فقط، بل تدخل ضمن مؤشرات الضغط الأمني والبحري الذي يهم ضفتي المضيق، خصوصا مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع الحركة على الشواطئ والممرات البحرية.
ولم تعلن السلطات الإسبانية، إلى حدود نشر المعطيات المتوفرة، عن حجز أي شحنة داخل القارب الذي ظهر في لا باروسا، كما لم ترد معلومات عن توقيفات مرتبطة مباشرة بالواقعة.
غير أن ظهوره وسط المصطافين أعاد إلى الواجهة مشهدا يتكرر في جنوب إسبانيا: قوارب التهريب لا تتحرك فقط في الظلام أو في عرض البحر، بل تترك آثارها أحيانا على رمال الشواطئ المكتظة.








