إسماعيل بويعقوبي
عاش المغرب هذه السنة “أغلى” عيد أضحى في تاريخه، وفق ما تعكسه الأسعار المتداولة داخل الأسواق بمختلف مدن المملكة، وما يعبر عنه المواطنون من صدمة متزايدة أمام مستويات غير مسبوقة لأثمان الأضاحي، تجاوزت سقف 5000 درهم، فيما بلغ ثمن بعض الأكباش ما بين سبعة آلاف و12.000 ألف درهم، خاصة في المدن الكبرى مثل طنجة والدار البيضاء والرباط وفاس، في مشهد يعيد طرح أسئلة جوهرية حول جدوى التدابير الحكومية المتخذة خلال الأسابيع الماضية لضبط سوق المواشي، وحول الأسباب التي جعلت أسعار الأضاحي ترتفع بهذا الشكل رغم وفرة العرض المعلنة رسميا.
وفي سوق طنجة، الذي شكل نموذجا واضحا لما تعيشه أسواق المملكة هذا الموسم، عاينت “الصحيفة” مستويات سعرية مرتفعة بشكل لافت، حيث بات العثور على أضحية بأقل من 4000 آلاف درهم أمرا شبه مستحيل، خصوصا إذا كان المشتري يرغب في اقتناء خروف تتوفر فيه شروط الشعيرة الدينية، فيما تبدأ أسعار الأكباش متوسطة الحجم من 5000 آلاف درهم، قبل أن ترتفع بحسب السلالة والوزن إلى مستويات غير مسبوقة تتخطى 10.000 آلاف درهم.
الوضع في هذا السوق كان أسوا أول أمس الاثنين وامس الثلاثاء، خصوصا مع فراغه من المواشي، وهو الواقع الميداني الذي يتناقض بشكل مباشر مع الخطاب الرسمي الذي تحدث عن وفرة كبيرة في العرض وتنوع في الأسعار، بل ومع تصريحات حكومية تحدثت عن وجود أضاح بأثمان تتراوح بين2000 و2500 درهم، وهي مستويات لا تبدو مطابقة لما يجري داخل الأسواق الحضرية الكبرى.
ويأتي هذا الوضع رغم أن الحكومة أكدت أن العرض الوطني من الأغنام والماعز يفوق الطلب بشكل واضح، فقد أعلن وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد بواري، في وقت سابق أن عدد رؤوس الأغنام والماعز المتوفرة بمناسبة عيد الأضحى هذه السنة يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، مقابل طلب متوقع يتراوح بين 6 و7 ملايين رأس، بما يعني فائضا نظريا يناهز مليوني رأس.
وتحدث وزير الفلاحة ايضا عن أن القطيع الوطني بلغ، وفق إحصاء غشت 2025، نحو 30,7 مليون رأس، منها 23,2 مليون رأس من الأغنام و7,5 مليون رأس من الماعز، مؤكدا أن البرنامج الملكي الخاص بإعادة تكوين القطيع الوطني ساهم في استعادة التوازن بعد سنوات الجفاف، في إشارة إلى تدخل العاهل المغربي لإعفاء المغاربة من شعيرة النحر العام الماضي من أجل تفادي وصول تعداد القطيع الوطني إلى المستوى الحرج.
وقبل ذلك، كان رئيس الحكومة عزيز أخنوش قد تحدث عن توفر المغرب على حوالي 40 مليون رأس من الأغنام والماعز، في معطى عزز خطاب الوفرة وخلق انطباعا بأن السوق ستعرف انفراجا ملموسا في الأسعار هذا الموسم، خصوصا بعد القرار الملكي الذي اتّخذ السنة الماضية والقاضي بعدم إقامة شعيرة الذبح، في خطوة كان هدفها المعلن الحفاظ على القطيع الوطني، وتخفيف الضغط عنه، بما يسمح بإعادة التوازن إلى السوق وتحسين العرض وخفض الأسعار تدريجيا.
غير أن ما جرى داخل الأسواق بمختلف مدن المملكة بدا مناقضا تماما لهذه المعطيات، فمنطق قواعد الاقتصاد البسيط يفترض أن يؤدي ارتفاع العرض مقارنة بالطلب إلى تراجع الأسعار، أو على الأقل استقرارها ضمن مستويات معقولة، لكن ما حدث في سوق الأضاحي بالمغرب هذا الموسم سار في الاتجاه المعاكس تماما، حيث ارتفعت الأسعار بشكل حاد رغم الحديث عن فائض في القطيع، ما يطرح تساؤلات متزايدة حول موقع الخلل الحقيقي داخل سلسلة التسويق، وحول الجهات التي تتحكم فعليا في انتقال الأضحية من المربي إلى المستهلك النهائي.
وتشير المعطيات المتداولة بين المهنيين والمراقبين إلى أن جزءا كبيرا من هذا الخلل يرتبط بتعدد الوسطاء، أو ما يعرف شعبيا بـ”الشناقة”، الذين يشكلون حلقة مؤثرة داخل الأسواق، رغم نفي مسؤولين حكوميين سابقا أن يكون لهم تأثير مباشر، بل وصل الأمر إلى القول إن “الشناقة يوجدون فقط في فيسبوك”، لكن الواقع داخل الأسواق يقدم صورة مختلفة تماما، حيث يتحدث مربون ومواطنون عن شبكات وساطة تتحكم في الأسعار، وتساهم في رفعها عبر إعادة البيع المتكرر والمضاربة، بما يجعل الفارق كبيرا بين السعر الأصلي عند الكساب والثمن النهائي الذي يؤديه المواطن.
وفي مواجهة هذا الوضع، اتخذت السلطات سلسلة من التدابير الاستثنائية لمحاولة الحد من ارتفاع الأسعار، فقد قررت وزارة الداخلية تعليق استخلاص رسوم الولوج إلى أسواق الماشية والفضاءات المخصصة لبيع الأضاحي إلى غاية 27 ماي الجاري، في خطوة هدفت إلى تقليص التكاليف الإضافية التي يتحملها الكسابة والمهنيون، والتي غالبا ما يتم تمريرها مباشرة إلى المستهلك النهائي، كما شددت الوزارة على ضرورة تأمين الأسواق وضمان انسيابية الولوج ومنع أي اختلالات تنظيمية قد تؤثر على السير الطبيعي لعمليات البيع والشراء.
لكن هذه الخطوة، رغم رمزيتها وأهميتها، لم تحدث أثرا ملموسا على مستوى الأسعار، التي واصلت ارتفاعها في مختلف المدن، ما عزز الانطباع بأن المشكلة أعمق من مجرد رسوم سوقية أو تكاليف تنظيمية، وأنها مرتبطة ببنية تسويق معقدة ما تزال خارج السيطرة الفعلية، بل إن كل تلك التحركات مثلت اعترافا رسميا بخروج الأسعار عن السيطرة، ووبوجود اختلال كبير في ضبط قطاع يستفيد من الدعم العمومي.
وفي ذات السياق الذي يعكس عمق الأزمة الهيكلية لقطاع المواشي، تبرز الخطوة القانونية غير المسبوقة الصادرة عن مجلس المنافسة من خلال رأيه الرسمي الذي وافق فيه صراحة على طلب رئيس الحكومة لاتخاذ تدابير مؤقتة واستثنائية لتنظيم السوق وتحديد الأسعار على أساس الكيلوغرام وتسقيفها لحماية القدرة الشرائية وإرساء الشفافية.
ورغم أن هذا الترخيص القانوني الممتد إلى غاية 3 يونيو 2026 كان يمنح الإدارة الصلاحية التامة والكاملة للتدخل الحازم وقطع الطريق أمام عشوائية التسعير والممارسات المنافية للمنافسة الشريفة، فإن هذا الضوء الأخضر لم ينعكس بأي أثر ملموس أو تدبير واقعي قادر على كبح جماح الغلاء، مما يوضح وجود حلقة مفقودة بين إصدار النصوص والقرارات السيادية وبين القدرة الإجرائية على فرضها وتنزيلها وسط بيئة معقدة يتحكم فيها كبار المستوردين والكسابة المهيمنين على القطاع.








