على الرغم من الأثر العميق لانحباس الأمطار على القطيع الوطني، فإن التحليل التاريخي المقارن يثبت بشكل علمي وميداني أن العامل المناخي وحده لا يمكنه أبدا تفسير حجم الانهيار الكارثي الذي شهدته الثروة الحيوانية خلال السنوات الأخيرة.
لقد واجه المغرب عبر تاريخه الحديث موجات جفاف قاسية وطويلة، فالذاكرة الفلاحية الوطنية تحفظ قساوة جفاف الفترة (1981-1982)، ثم جفاف سنة 1995، وصولا إلى جفاف الفترة (2016-2019)، دون أن يؤدي أي منها إلى انهيار مماثل في حجم القطيع أو اندثار سلالاته.
فخلال جفاف الثمانينيات على سبيل المثال، تراجع القطيع بنسبة تراوحت ما بين 20% و30% (حيث انخفضت أعداد الأبقار إلى نحو مليوني رأس وتراجعت الإبل من 220 ألف إلى 27.6 ألف رأس بين 1975 و1985)، غير أن القطيع تعافى تدريجيا وبسرعة بفضل سياسات دعم مستهدفة واستثمارات حقيقية في تحسين المراعي والسلالات.
أما ما يميز المرحلة الراهنة، فهو وقوع هذا الانهيار الحاد بنسبة ناهزت 38% رسميا (وأكثر من 46% ميدانيا) في سياق برامج فلاحية كبرى صُرفت عليها مئات الملايير، ودعم مالي معتبر، وفتح واسع لمجال الاستيراد، دون أن ينجح ذلك كله في وقف نزيف القطيع.
يقودنا هذا التناقض الصارخ إلى استنتاج واحد يؤكدأن الجفاف شكل عاملا محفزا ومعجلا للأزمة، لكنه ليس سببها الجوهري. فالمتهم الحقيقي هو الاختيارات الفلاحية المعتمدة منذ إطلاق “مخطط المغرب الأخضر” سنة 2008 (بميزانية ضخمة بلغت 150 مليار درهم)، واستمرارها ضمن استراتيجية “الجيل الأخضر” (2020-2030). هذه الاختيارات منحت أولوية شبه مطلقة للفلاحة التصديرية المكثفة ذات القيمة المضافة العالية التي تخدم كبار الفلاحين والشركات المرتبطة بالأسواق الدولية، مقابل تهميش الأنظمة الرعوية التقليدية والصغيرة التي تشكل مصدر عيش ملايين الأسر القروية.
وتكفي الإشارة إلى أن مجموع الاستثمارات المنجزة خلال فترة المخطط (2008-2020) بلغ حوالي 150 مليار درهم، خصص منها ما يقارب 99 مليار درهم للفلاحة المكثفة والكبيرة، مقابل 14 مليار درهم فقط للفلاحة التضامنية والصغيرة، مما حول الجفاف من عامل طبيعي دوري إلى عنصر كاشف لفشل بنيوي في السياسات العمومية الفلاحية، التي “اعتمدت منطقا ريعيا يتلخص في استيراد الأزمات الغذائية وتصدير الأرباح الاقتصادية والماء وجلب العملة الصعبة”، حسب كتاب “أزمة القطيع الوطني: من دعم الإنتاج الداخلي إلى ريع الاستيراد” لمؤلفه عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية.








