بسم الله الرحمن الرحيم
عثرت عليه بين أغراض والدها القديمة كما لو أنها عثرت على كنز ثمين وطفقت تتأمله وكأنها في حوار مع الماضي، شريط ذكريات الطفولة والشباب العالقة بذهنها، تعود وترتسم أمامها بكل تفاصيلها البريئة ولسان حالها يقول: الزمن لن يعود للوراء لكني سأحتفظ به …
ذات مساء جلست لتناول طعام العشاء، رغيف ساخن، حبات من الزيتون الاسود، قليل من المربى وإبريق شاي، على الجانب الآخر كانت أختها الكبرى معها تنظر إليها وتتأمل وجهها في كل مرة في صمت وقد أحست بغصة منعتها من الكلام لبعض الوقت وهي ترشف الشاي.
هي: “ألم تشتاقي الى منزلنا الريفي؟ لم لا نقوم بزيارة إلى المكان فالجو ربيعي ومنظر الخضرة هناك يبهج النفوس ويزيل الكآبة، أو أننا نستغل العطلة القادمة لنقضيها في مكان جميل… سأحب ذلك”.
أجابتها أختها الكبرى بعد أن وضعت الكأس جانبا: “مهما كان السفر إلى أي مكان فقد أصبح بالنسبة لنا شيئا صعبا ومكلفا لا نقدر عليه في الوقت الراهن”.
هي: “نحن لن نسافر لوحدنا “.
أجابتها أختها قائلة:” بل أصبحنا وحيدتين وما عاد أحد يسأل علينا، لكن ليس هذا الذي يهمني بقدر ما يهمني الآن كيف نتجاوز ظروفنا المادية، ألا نستحق نحن أيضا حياة كريمة؟”
هي: “بلى نستحق، لكن لا تقلقي فأنا أعمل على ذلك ولا أدخر جهدا لتحسين أوضاعنا وأنت تعلمين ذلك جيدا يا أختي.”
تغير أسلوب كلام أختها: “أعرف أنك لم تدخري جهدا وأعرف أيضا أنك فوت على نفسك فرصا ذهبية للحصول على وظيفة، لكن طموحك لم يكن كافيا بالقدر الذي يجعلني أفتخر بك، بل أصبحت أتحرج من أسئلة الناس عنك ولا أجد ما أقول، بالمقابل، طمعت في أن تعوضيني عن سنوات الضياع التي عشتها يوم تركت صفوف الدراسة وأنا طفلة، عن شعوري بالحاجة، عن كل ما لم أستطع تحقيقه أنا، أملت في أن تشغلي منصبا مرموقا يتوج مسارك الدراسي، كونك مجازة.”
هي: قامت من مجلسها وهي تكتم ما بداخلها…
أختها: -قامت هي الاخرى وهي تضيف قائلة- :”هل كنت تظنين أن أجرتك الهزيلة تلك يمكن أن تسد حاجياتنا اليومية، هل كنت تظنين أنها ستكفينا لتسديد الديون التي علينا ؟ كانت على الأقل نفعتنا شهاداتك الجامعية التي كنت تتبجحين بها في كل مرة.”
“أنظري… أنظري إلى جارتنا أين وصلت من دون شهادات، هي الآن في أوروبا تشتغل، وبما أنك اخترت أن تعيشي في الأحلام والأوهام، فان ابنة خالك التي تصغرك سنا قد حصلت على ترقية في عملها داخل إدارة الشركة، وبقيت أنت تبنين في مخيلتك قصورا من الرمال وتكتفين بالتفرج على نجاحات الاخرين وتوهمين نفسك أنك قريبة من الهدف، بيد أن ذلك لم يكن سوى سراب.”
انصرفت …وساد صمت رهيب…
أما هي، ولشدة ما حز تصرف أختها في نفسها، تسمرت في مكانها مصدومة وهي تنظر بعينين ذابلتين لما حولها، أحست أن لسانها انعقد ومدامعها نضبت، أحست وكأن صخرة جثت فوق صدرها أفقدتها القدرة على الحركة والكلام، وتساءلت في نفسها:
هل هذه أختي التي تقاسمت معها الآمال والآلام طوال هذه السنين؟
يتبع…









bravo continuez
كما عودتنا حسناء دائما متألقة باسلوبها الراقي والجميل، بعد طول الغياب. ارجو ان لا تتأخر في نشر بقية الاجزاء، تحياتي.