سعيد قدوري
بدأت ملامح الانتخابات البرلمانية المقبلة بإقليم الناظور تكشف مبكرا عن وجه آخر من وجوه العبث السياسي، بعدما تحولت بعض الأحزاب إلى فضاءات مغلقة لإعادة إنتاج نفس الأسماء والعائلات، في مشهد يثير الكثير من الجدل والاستياء داخل الأوساط السياسية والشعبية على حد سواء.
فوفق معطيات متداولة داخل الكواليس الحزبية بالإقليم، دخلت “بنات القياديين” بقوة إلى دائرة المفاوضات المتعلقة بالتزكيات الانتخابية، ليس بناء على مسارات سياسية أو كفاءات ميدانية، بل بمنطق القرابة العائلية والنفوذ الانتخابي الذي راكمه الآباء على مدى سنوات.
وتفيد المعطيات ذاتها بأن أحد البرلمانيين الحاليين بات يضغط بقوة داخل حزبه من أجل منح ابنته تزكية الترشح على رأس اللائحة الجهوية الخاصة بالنساء، واضعا ذلك ضمن شروطه الأساسية في أي ترتيبات انتخابية مقبلة، في خطوة اعتبرها متتبعون تكريسا واضحا لمنطق “الوراثة السياسية” بدل فتح المجال أمام الطاقات والكفاءات الشابة التي تنتظر فرصتها منذ سنوات.
وفي السياق نفسه، تشير المصادر إلى أن أحد رؤساء الجماعات الحضرية بإقليم الناظور لوح بالاستقالة من حزبه في حال لم يتم منح ابنته رأس اللائحة الجهوية المؤهلة لدخول البرلمان، في مشهد يعكس كيف تحولت بعض الأحزاب إلى رهينة لمصالح شخصية وعائلية ضيقة، بعيدة كل البعد عن هموم المواطنين وانتظاراتهم.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل إن منتخبا سابقا دخل بدوره على الخط، مشترطا على أي حزب يرغب في الاستفادة من دعمه الانتخابي خلال استحقاقات 23 شتنبر 2026، منح التزكية لابنته أو لشقيقته، وكأن المقاعد البرلمانية أصبحت إرثا عائليا يتناقل داخل البيوت السياسية المغلقة، لا مسؤولية وطنية تتطلب الكفاءة والقدرة على الترافع وخدمة المواطنين.
هذا الواقع يفتح الباب أمام أسئلة محرجة حول مستقبل العمل السياسي بالإقليم، وحول جدوى الحديث المتكرر عن ربط المسؤولية بالكفاءة، في وقت يتم فيه إقصاء عدد كبير من الأطر والشباب والنساء اللواتي يمتلكن من المؤهلات والتجارب ما يكفي لتمثيل الساكنة والدفاع عن قضاياها.
ويرى متابعون أن استمرار هذا السلوك يساهم بشكل مباشر في تعميق أزمة الثقة بين المواطنين والأحزاب، ويعزز قناعة واسعة بأن الانتخابات لم تعد منافسة ديمقراطية حقيقية، بل مجرد عملية لتبادل المواقع بين العائلات النافذة، في غياب أي تصور جدي للتنمية أو النهوض بأوضاع الإقليم.
فبين البطالة، وتراجع الاستثمار، وضعف البنيات التحتية، وغياب مشاريع قادرة على خلق تحول اقتصادي واجتماعي حقيقي بالناظور، ينشغل بعض السياسيين اليوم بضمان “مقاعد عائلية” لأبنائهم وبناتهم، غير آبهين بحجم التحديات التي تنتظر المنطقة.
إن ما يحدث اليوم لا يمكن وصفه سوى بأنه شكل من أشكال التوريث السياسي المقيت، الذي يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، ويحول المؤسسات المنتخبة إلى امتداد لعلاقات النفوذ والمال والعائلة، بدل أن تكون فضاء لخدمة الصالح العام وتمثيل المواطنين بصدق ومسؤولية.








