في خطوة تعكس تنامي القلق بشأن مستقبل تمويل التغطية الصحية بالمغرب، أطلق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي صفقة تتجاوز قيمتها 400 مليون سنتيم لإنجاز دراسة اكتوارية واسعة حول أنظمة التأمين الإجباري عن المرض “AMO”، بهدف تقييم مدى قدرتها على الحفاظ على توازنها المالي خلال السنوات العشر المقبلة.
ووفق المعطيات الواردة في دفتر التحملات، فإن الدراسة ستشمل مختلف الأنظمة الصحية التي يشرف عليها الصندوق، من بينها نظام القطاعين العام والخاص، وتأمين العمال غير الأجراء، إضافة إلى نظام “أمو تضامن” الموجه للفئات الهشة، و”أمو الشامل” الخاص بالأشخاص القادرين على أداء الاشتراكات رغم عدم مزاولتهم لأي نشاط مهني.
وتأتي هذه الخطوة في سياق التوسع الكبير الذي عرفه ورش تعميم الحماية الاجتماعية منذ سنة 2021، بعدما تم إدماج ملايين المواطنين ضمن أنظمة التأمين الصحي، وهو ما رفع بشكل ملحوظ حجم النفقات المرتبطة بالعلاج والاستشفاء والتعويضات الطبية.
وتهدف الدراسة الجديدة إلى استشراف مستقبل التوازنات المالية للمنظومة الصحية عبر إعداد سيناريوهات متعددة، تشمل مواصلة العمل بالصيغة الحالية للأنظمة، أو اعتماد إصلاحات محتملة تهم نسب الاشتراكات وشروط الاستفادة وكلفة العلاج والتعويضات.
كما ستعمل الدراسة على تحليل تطور المداخيل والنفقات، وقياس تأثير مجموعة من المتغيرات، من بينها ارتفاع أسعار العلاج، وتزايد الأمراض المزمنة والمكلفة، وتنامي عدد المستفيدين وذوي الحقوق، إضافة إلى تطور نفقات الأدوية والاستشفاء.
وتشير الوثائق التقنية إلى أن نظام “أمو تضامن” يظل من أبرز مصادر الضغط المالي، بالنظر إلى كون الدولة تتحمل اشتراكات المستفيدين منه بشكل كامل، إلى جانب نظام “أمو الشامل” الذي يعتمد على مساهمات مرتبطة بمعطيات السجل الاجتماعي الموحد، تتراوح حاليا بين 144 و1164 درهما شهريا حسب الوضعية الاجتماعية للأسر.
كما تواجه أنظمة التأمين الصحي ارتفاعا متواصلا في كلفة التعويضات، خاصة مع استمرار تغطية بعض الأمراض الخطيرة والمزمنة بنسبة تصل إلى 100 في المائة، فضلا عن تحمل مصاريف الاستشفاء بالمستشفيات العمومية والعلاجات غير المتوفرة داخل المغرب.
ولم تقتصر الصفقة على الجانب التقني للدراسة، بل تضمنت أيضا برنامجا لتكوين أطر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، عبر دورات وورشات متخصصة، بهدف تمكين المؤسسة من تطوير وتتبع الحسابات الاكتوارية داخليا، وتعزيز قدرتها على مراقبة مؤشرات التوازن المالي مستقبلا.








