سعيد قدوري
في ذاكرة مدينة زايو، خلال أواخر تسعينيات القرن الماضي، يبرز اسم السيبوس كواحد من رجال المرحلة الذين تركوا أثرا لا يمحى. بين سنتي 1997 و2002، قاد مركز الدرك الملكي بزايو في زمن لم تكن فيه المدينة تتوفر على مفوضية للشرطة، فكان عبء الأمن كاملا على عاتق عناصر الدرك الملكي، داخل مدينة تجاوز عدد سكانها آنذاك 25 ألف نسمة، إضافة إلى المجال الواسع لجماعة أولاد ستوت المجاورة، التي كانت تضاهيها من حيث عدد السكان وتمتد على رقعة جغرافية شاسعة.
حين حل السيبوس بزايو، كانت المدينة موسومة بسمعة ثقيلة في الجهة الشرقية، إذ تحولت إلى وجهة يقصدها الباحثون عن مختلف أنواع المخدرات. كان ذلك الواقع يفرض تحديات معقدة، تتداخل فيها شبكات الاتجار بالممنوعات مع مظاهر الفوضى والانفلات، في مشهد لم يكن يسيرا تغييره.
لكن القائد الجديد اختار منذ البداية نهج الحزم. لم يكتفِ بمحاربة تجار المخدرات، بل وسع دائرة تدخله لتشمل كل أشكال الجريمة والفوضى. تحركاته الميدانية، وقراراته الصارمة، وضعت حدا لسنوات من التسيب الذي اعتاده البعض. ولم تكن المعركة سهلة، لأن ما كان يواجهه لم يقتصر على شبكات الاتجار، بل طال أيضا بعض الأعيان الذين اعتادوا فرض منطقهم خارج إطار القانون.
الأمر ازداد حساسية حين امتدت يد الصرامة إلى ظواهر البلطجة التي كانت تطفو على السطح في مواسم الانتخابات والمواعيد السياسية. فقد كان بعض الفوضويين يحظون بحماية من جهات سياسية، ما جعل تطبيق القانون يصطدم بحسابات ضيقة ومصالح متشابكة. غير أن السيبوس، بحسب شهادات معاصري تلك المرحلة، لم يتراجع، واعتبر أن فرض هيبة القانون لا يقبل الانتقائية.
هذا المسار لم يرق للبعض. فبدأت، وفق روايات متطابقة، محاولات للإطاحة به عبر تقارير رفعت إلى جهات مسؤولة، تضمنت اتهامات وانتقادات لعمله. كانت الغاية واضحة: إبعاد رجل حرمهم من أدوات اعتادوا توظيفها في نهجهم السياسي.
وفي خضم هذه التجاذبات، برز موقف لافت لرئيس جماعة أولاد ستوت آنذاك، ميمون مبروك، الذي طلب منه، حسب ما يروى، تحرير تقرير ينتقد قائد الدرك. غير أنه رفض ذلك، معتبرا أنه لا يمكن أن يظلم رجلا يؤدي واجبه بتفان في خدمة الوطن. كان ذلك الموقف مؤشرا على أن الصورة لم تكن أحادية، وأن داخل المشهد المحلي أصواتا اختارت الإنصاف بدل الانخراط في تصفية الحسابات.
التقارير المرفوعة عجلت بحلول لجنة مركزية تابعة للقيادة العليا للدرك الملكي إلى زايو، للتحقيق في ما ورد من معطيات. استمعت اللجنة إلى مختلف الأطراف، من مسؤولين وفاعلين مدنيين وحقوقيين. وهنا، لعبت شهادات عدد من الحقوقيين والفعاليات المحلية دورا حاسما، إذ دافعت عن حصيلة القائد وأكدت أن صرامته كانت موجهة ضد الجريمة لا غير.
تلك الشهادات أسقطت، بحسب المتتبعين، كثيرا من الادعاءات، ومكنت السيبوس من مواصلة مهامه إلى غاية انتهاء فترة قيادته لمركز الدرك الملكي بزايو سنة 2002، دون أن تنجح محاولات إبعاده في تحقيق مبتغاها.
اليوم، وبعد مرور سنوات على تلك المرحلة، يعود اسم السيبوس إلى الواجهة في أحاديث الذاكرة الجماعية لزايو، باعتباره نموذجا لرجل سلطة اختار الاصطدام بشبكات النفوذ بدل التعايش معها، فدفع ثمن مواقفه حملات مضادة، لكنه حظي في المقابل بدعم حقوقيين وفعاليات مدنية رأت في صرامته حماية للمجتمع.
هي صفحة من تاريخ محلي، نفتحها في هذا الشهر الفضيل، لا لاستحضار صراعات الماضي، بل لتوثيق مرحلة شكلت منعطفا في مسار الأمن بمدينة زايو، ولإبراز كيف يمكن لرجل واحد، حين يتسلح بالقانون، أن يربك حسابات كثيرة، وأن يترك أثرا يتجاوز سنوات المسؤولية إلى ذاكرة مدينة بأكملها.









إن تناول مرحلة تاريخية من ذاكرة مدينة زايو يقتضي استحضار مختلف الزوايا والروايات، لأن الذاكرة الجماعية لا تبنى على شهادة واحدة، بل على تعدد التجارب واختلاف التقييمات. وفي هذا السياق، فإن الفترة التي قاد خلالها المساعد الأول “سيبوس” مركز الدرك الملكي بزايو خلال أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة ما تزال موضوع قراءات متباينة بين الفاعلين المحليين والمواطنين.
ففي مقابل الرواية التي تؤكد أن تلك المرحلة اتسمت بالحزم وإعادة فرض النظام في مدينة كانت تواجه تحديات أمنية حقيقية، تبرز شهادات أخرى تعتبر أن أساليب التدخل اتسمت أحيانا بصرامة مفرطة انعكست بشكل مباشر على فئات اجتماعية معينة، خاصة أصحاب السيارات غير المرخصة المعروفة محليا بـ : طاكسيات الفوضى، ورغم .
الوضعية القانونية غير المنظمة لهذه الوسيلة، فإنها كانت تؤدي وظيفة اجتماعية أساسية، إذ وفرت النقل لسكان الدواوير المحيطة بمدينة زايو، وساهمت في فك العزلة عنهم، سواء لأغراض التسوق أو في الحالات الصحية المستعجلة. وأن بعض التدخلات الأمنية آنذاك كانت تتم بطرق اعتبرها المواطنون قاسية، من قبيل إفراغ عجلات السيارات بالسكين من طرف المساعد الأول المذكور أمام العموم، وهو ما خلف شعورا بالهيبة ممزوجا بالخوف داخل الفضاء العام.
كما تزامنت تلك المرحلة مع سياق سياسي محلي حساس، حيث ارتبطت بعض المواقف والتقييمات بالصراع الانتخابي والتجاذبات الحزبية، الأمر الذي جعل تقييم الأداء الأمني يتداخل أحيانا مع الحسابات السياسية. وقد وردت، حسب شهادات متطابقة، شكايات متعددة رفعت إلى المسؤولين المحليين، قبل أن تصل إلى مستويات أعلى داخل جهاز الدرك الملكي، ما يعكس حجم الجدل الذي رافق تلك المرحلة، كما أنه كان هناك وجود علاقات تعاون بين بعض الأفراد (الجواسيس) وعناصر الدرك الملكي، وهو أمر مألوف في السياقات المحلية، لكنه ساهم في اختلاف المواطنين لطبيعة المرحلة بين من رأى فيها حماية للأمن العام، ومن اعتبرها ممارسة للسلطة بأسلوب متشدد. وعليه، فإن استحضار هذه الفترة اليوم ينبغي أن يتم بمنطق التوثيق التاريخي لا بمنطق التمجيد أو الإدانة المطلقة، لأن التجارب الأمنية، خاصة في المدن الصاعدة، غالبا ما تكون مركبة، تجمع بين ضرورات فرض النظام وتحديات احترام التوازن الاجتماعي. ومن هنا تبقى ذاكرة زايو مفتوحة على قراءات متعددة، تشكل في مجموعها الصورة الأقرب إلى واقع تلك المرحلة.
عشت شخصيا هذه المرحلة أواخر التسعينيات بمدينة زايو، وأعتقد أن الحديث عنها يقتضي نقل ما عاشه الناس فعلا، لا فقط ما يروى من زاوية واحدة، صحيح أن المدينة كانت تعيش آنذاك مشاكل أمنية، لكن ما يتذكره كثير من المواطنين أيضا هو الخوف الذي كان يسود الشارع بسبب طريقة التعامل الصارمة مع بعض الفئات البسيطة، خاصة أصحاب ما كان يسمى بـ: «طاكسيات الفوضى». هؤلاء لم يكونوا مجرد مخالفين للقانون في نظر السكان، بل كانوا وسيلة النقل الوحيدة لسكان الدواوير المجاورة، ينقلون الناس إلى السوق، ويوصلون المرضى إلى المستشفى حين تغيب البدائل. أتذكر جيدا كيف كانت بعض السيارات توقف وسط الشارع، وتفرغ عجلاتها أمام أنظار الجميع، في مشاهد لم يكن أحد يجرؤ خلالها على الاحتجاج أو حتى التعليق، خوفا من السلطة وهيبتها. كان الصمت هو رد الفعل الوحيد المتاح، كثرت حينها شكايات المواطنين، وكانت ترفع إلى المسؤولين المحليين أملا في إيجاد حل يوازن بين تطبيق القانون ومراعاة الظروف الاجتماعية للناس. لكن المرحلة كانت أيضا مشحونة بحسابات سياسية وانتخابية، وهو ما جعل بعض المواقف تفهم أحيانا في سياق الصراع السياسي أكثر من كونها دفاعا عن المواطنين البسطاء، كما كان معروفا لدى الجميع أن بعض الأشخاص كانت تجمعهم علاقات خاصة أو خدمات متبادلة مع عناصر الدرك الملكي، وهو أمر زاد من شعور فئة من السكان بعدم الإنصاف.
اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة، أعتقد أن الحقيقة الكاملة لتلك المرحلة توجد بين روايتين: رواية تتحدث عن فرض النظام، وأخرى تتحدث عن معاناة مواطنين بسطاء شعروا بأن الصرامة تجاوزت حدودها. وبين هاتين الروايتين تبقى ذاكرة زايو مليئة بتفاصيل لا يمكن اختزالها في صورة واحدة