زايو سيتي
يراهن المغرب على مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط كأحد أكبر الأوراش الاستراتيجية القادرة على إحداث تحول اقتصادي عميق بجهة الشرق، التي ظلت لسنوات تعاني من هشاشة بنيوية واختلالات اجتماعية واقتصادية واضحة. فالمشروع، وفق دراسات جامعية وتقارير لمؤسسات دولية، لا يختزل في كونه بنية مينائية لنقل البضائع، بل ينظر إليه كرافعة تنموية شاملة قادرة على إعادة رسم ملامح الاقتصاد الجهوي.
وتعد جهة الشرق من بين المناطق الأكثر تضررا من البطالة على الصعيد الوطني، حيث تسجل معدلات تفوق المتوسط العام للمملكة، وهو ما تؤكده معطيات المندوبية السامية للتخطيط التي تشير إلى ضعف قدرة النسيج الاقتصادي الجهوي على خلق فرص الشغل واستيعاب اليد العاملة، إضافة إلى محدودية الثروة المنتجة، إذ يظل الناتج الداخلي الخام للفرد أقل من المعدل الوطني، ما يعكس تأخرا واضحا في التنمية الاقتصادية.
في هذا السياق، يأتي مشروع الناظور غرب المتوسط كخيار استراتيجي لإحداث قطيعة مع هذا الواقع، من خلال إرساء نموذج تنموي جديد يقوم على التكامل بين الميناء والمناطق الصناعية واللوجستية المحيطة به. وقد تم تصميم المشروع بمنطق يتجاوز الوظيفة التقليدية للموانئ، مستلهما تجارب ناجحة على الصعيد الوطني، دون أن يكون مجرد نسخة مكررة منها، بل منصة متكاملة تراعي خصوصيات المجال الترابي لجهة الشرق.
ويرتكز المشروع على إحداث مناطق صناعية ولوجستية مؤهلة لاستقبال استثمارات متنوعة في مجالات متعددة، من بينها الصناعات الغذائية والفلاحية، والنسيج والجلود، والصناعات المعدنية والميكانيكية والكهربائية، إلى جانب الكيمياء وشبه الكيمياء، وتخزين المحروقات، والخدمات المرتبطة بالأنشطة المينائية. كما جُهزت هذه المناطق ببنيات تحتية أساسية تشمل محطات لتحلية المياه، وشبكات كهرباء، ومنشآت لمعالجة المياه العادمة، بما يضمن شروط الاستدامة وجاذبية الاستثمار.
ويعزز هذا الورش الكبير تطوير الشبكات الطرقية والسككية، التي ينتظر أن تلعب دورا محوريا في ربط الميناء بعمقه الجهوي والوطني، وتسهيل حركة السلع والأشخاص، وتحسين شروط عيش الساكنة، ودعم الدينامية الاقتصادية بمختلف أقاليم الجهة.
أما من حيث الطاقة الاستيعابية، فقد صمم الميناء ليستجيب لمتطلبات كبرى منذ انطلاقه، بطاقة سنوية تناهز خمسة ملايين حاوية، وحركة بضائع سائلة وصلبة قد تصل إلى عشرات الملايين من الأطنان، مع آفاق توسع مستقبلي ترفع القدرة إلى مستويات تنافسية على الصعيد المتوسطي والدولي.
وتجمع دراسات أكاديمية وتقارير لمؤسسات مالية دولية على أن الأثر الأبرز للمشروع يتمثل في خلق فرص الشغل. فبينما وفرت مرحلة الإنجاز مناصب مؤقتة، ينتظر أن يؤدي التشغيل الكامل للميناء والمناطق الصناعية المرتبطة به إلى خلق فرص عمل دائمة ومستقرة. وفي هذا الإطار، يتوقع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إمكانية إحداث نحو 100 ألف منصب شغل في أفق 2034، منها مناصب مباشرة وأخرى غير مباشرة، في حال بلوغ المشروع مستوى اشتغال متقدم وجذب استثمارات إنتاجية فعلية.
ولا يتوقع أن تقتصر هذه الانعكاسات الإيجابية على جهة الشرق فقط، بل قد تمتد إلى جهات مجاورة، خاصة فاس–مكناس، عبر تعزيز التكامل الاقتصادي وتوسيع دائرة الاستفادة من الدينامية الجديدة التي قد يطلقها الميناء.
ويبقى نجاح هذا الرهان الكبير مرتبطا بمدى قدرة الناظور غرب المتوسط على التحول إلى منظومة صناعية ولوجستية متكاملة، قادرة على استقطاب استثمارات حقيقية، وخلق قيمة مضافة، وهيكلة نسيج اقتصادي محلي يضمن استدامة الأثر التنموي على المدى الطويل.








