بين قمم جبلية ومنحدرات وعرة، تطل مدينة تطوان كلوحة أندلسية بيضاء، مسورة بتاريخ عريق بوأها مكانة ضمن التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1997.
غير أن هذه “الحمامة البيضاء” التي تأوي اليوم قرابة 460 ألف نسمة، تخفي خلف أسوارها وأبوابها السبعة واقعا اقتصاديا ضاغطا، حيث يصارع السكان غلاء المعيشة وشح الفرص في مساحة جغرافية ضيقة لا تتجاوز 0,36 بالمئة من التراب الوطني.

وتواجه المدينة التي يسجل سكانها نموا سنويا يفوق 1 بالمئة، تحديات معيشية متصاعدة، إذ كشفت أرقام حديثة للمندوبية السامية للتخطيط أن مؤشر أسعار الاستهلاك في تطوان قفز بنسبة 2,3 بالمئة خلال الربع الأول من 2025، مدفوعا بزيادة 2,6 بالمئة في المواد الغذائية، وهو ما يفوق المعدل الوطني، مما يجعل “الجمال المكلف” عبئا إضافيا على الأسر التي فقدت مواردها التقليدية بعد إغلاق معبر باب سبتة.
وعلى الرغم من المحاولات الرسمية لإنعاش المنطقة اقتصاديا، تبدو الهوة واسعة بين المشاريع المهيكلة والواقع اليومي.
فبينما تراهن السلطات على منصة “تطوان بارك” الحديثة التي تمتد على مساحة 156 هكتارا وتوفر 255 قطعة صناعية ولوجستيكية قرب طنجة المتوسط، لا تزال المنطقة الصناعية القديمة لتطوان، التي أنشئت منذ 1980 على مساحة 47 هكتارا، تعاني من محدودية الجاذبية رغم ضخ 26,8 مليون درهم لتأهيلها عام 2008، حيث أغلقت العديد من المصانع أبوابها تاركة فراغا في سوق الشغل.
وفي قطاع السياحة، تعيش المنطقة مفارقة صارخة؛ ففي الوقت الذي يسجل فيه الشريط الساحلي “تمودة باي” نسب ملء قياسية تجاوزت 80 بالمئة في الفنادق المصنفة خلال صيف 2023، متفوقا حتى على طنجة، تبقى المدينة العتيقة مجرد ممر سياحي بامتيازات اقتصادية محدودة للسكان المحليين، رغم تصنيفها “مدينة مبدعة” في الصناعة التقليدية من طرف اليونسكو منذ 2017.
وتندرج هذه المفارقة وسط جهود استثمارية ضخمة، حيث تم رصد 1,71 مليار درهم لـ 21 مشروعا سياحيا في الجهة، تشمل تثمين المدن العتيقة، في سباق مع الزمن لتحويل الأرقام إلى فرص الشغل.
ولا تشكل الجغرافيا حليفا دائما للاقتصاد المحلي، فإقليم تطوان ذو الطابع الجبلي والسهول الساحلية الضيقة، يواجه تحديات مناخية تتمثل في رياح “الشرقي” القوية التي تهدد الزراعة، بينما يظل القطاع البحري مكبلا بضعف التجهيزات، إذ يعتمد الشريط الساحلي الممتد حتى واد لاو على قوارب صيد تقليدية صغيرة (أقل من 5 أطنان) موزعة على نقاط تفريغ متباعدة، مما يجعل الثروة السمكية “مؤهلا غير مستغل بالكامل” لامتصاص البطالة.
ووسط هذه المعادلة الصعبة، بين منطقة “تمودة باي” الفاخرة وأحياء المدينة الهشة، يجد شباب تطوان أنفسهم أمام خيارات محدودة. فالحرف التقليدية التي كانت يوما عصب الاقتصاد داخل الأسوار، تواجه منافسة شرسة وتراجعا في التسويق، بينما تدفع كلفة العيش المرتفعة والبطالة الكثيرين للتفكير في الهجرة، سواء نحو طنجة التي تحولت لقطب صناعي، أو نحو الضفة الأخرى، تاركين خلفهم مدينة جميلة لا تزال تبحث عن صيغة توازن بين ثقل التاريخ ومتطلبات العيش الكريم.








