في سابقة قضائية يُتوقّع أن تفتح نقاشًا واسعًا حول شروط سلامة خدمات السحب الآلي والتدبير الداخلي لوكالات الأبناك، أقرت المحكمة الابتدائية التجارية بالدار البيضاء مسؤولية أحد البنوك عن احتجاز بطاقة زبون لمدة أربعة أيام، بعد أن تركت شباكًا أوتوماتيكيًا في وضعية تشغيل رغم إغلاق الوكالة للأشغال دون توفير أي طاقم تقني أو إداري للتدخل عند الطوارئ.
وتعود تفاصيل الحكم عدد 13524، الصادر بتاريخ 3 نونبر الجاري، إلى واقعة شهدها شباك أوتوماتيكي تابع لوكالة بنكية بشارع حمان الفطواكي، إذ ابتلع البطاقة البنكية لأحد الزبناء أثناء عملية سحب، في وقت كانت فيه الوكالة مغلقة بالكامل مع تعليق إشعار يشير إلى نقل الخدمات نحو وكالة أخرى بشارع الجيش الملكي. وبحسب الوثائق المرفقة بالملف، فإن استرجاع البطاقة لم يتم إلا بعد أربعة أيام، ما دفع المتضرر إلى اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض.
محاضر المعاينة المنجزة من طرف مفوضين قضائيين في 21 و25 يونيو 2024، ثم في 8 أبريل 2025، أكدت أن الشباك بقي مشتغلاً وقابلاً للاستعمال رغم إغلاق الوكالة، وأن اللافتة الموضوعة عند باب المؤسسة البنكية لا يمكن رؤيتها من موقع استعمال الشباك، ما يجعل الزبون عاجزًا عن معرفة أن الوكالة مغلقة أو أن الخدمة غير مؤمّنة.
ودفعت المؤسسة البنكية بكونها أخبرت زبناءها سلفًا بإغلاق الوكالة لأشغال، غير أن المحكمة اعتبرت هذا التبرير قاصرًا ولا يُعفي البنك من المسؤولية، حيث شددت على أن التزام المؤسسة البنكية “لا يقف عند الإشعار”، بل يشمل ضمان سلامة وجودة خدماتها في كل الظروف، بما في ذلك فتح مداومة أو تعطيل الشباك طيلة فترة الإغلاق. واعتبرت المحكمة أن إبقاء الشباك مشتغلاً في غياب طاقم قادر على التدخل يشكل “خطأً تنظيميا وإهمالاً واضحًا” في التسيير الداخلي للبنك.
أما بخصوص دفع البنك بانعدام الضرر بحجة أن الزبون استعاد بطاقته بعد فترة قصيرة، فقد رفضته المحكمة، مؤكدة أن الضرر في مثل هذه الحالات لا يتحدد بمدة التأخير فقط، بل بطبيعة الأثر الناتج عنه، مستندةً إلى الفصلين 78 و98 من قانون الالتزامات والعقود، اللذين يوسعان نطاق التعويض ليشمل الحرمان من المنفعة والاضطراب المعنوي المباشر. واعتبرت الهيئة القضائية أن حرمان الزبون من استعمال بطاقته البنكية طيلة أربعة أيام واضطراره للتنقل بين الوكالتين يشكل “ضررًا محققًا ومباشرًا” يستوجب التعويض.
ورغم أن المدعي أدلى بتصريحات تفيد تأثر نشاطه المهني وتأخره في إيداع ملفات زبائنه، إلا أن المحكمة لم تأخذ بهذه المعطيات لعدم تعزيزها بأدلة قاطعة، لكنها أقرت بوجود ضرر قائم في ذاته، يتمثل في المساس بحق مشروع في استعمال وسيلة أداء بنكية شخصية، وهو ما اعتبرته كافيًا للحكم بتعويض مناسب.
وبناءً على مجموع المعطيات، وداخل حدود السلطة التقديرية للقضاء، قضت المحكمة بأداء البنك تعويضًا قدره 5000 درهم لفائدة المدعي، مع تحميله الصائر، ورفض باقي الطلبات، بما في ذلك الفوائد القانونية وطلب النفاذ المعجل.
الحكم، وإن بدا ذا طابع فردي، يفتح الباب أمام إعادة تقييم العديد من الممارسات البنكية المرتبطة بتدبير الشبابيك الأوتوماتيكية خلال فترات الإغلاق والأشغال، ويعيد النقاش حول مدى مسؤولية المؤسسات البنكية في ضمان استمرارية الخدمة وحماية حقوق الزبناء في الولوج إلى وسائل الأداء دون تعطيل أو إهمال.








