يتجدّد الجدل كلما عاد الحديث عن مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا، غير أن المعطيات التقنية والجغرافية تواصل تبديد هذا الطموح. تقرير إسباني حديث أعاد التأكيد على أن غياب أي مخطط لبناء جسر فوق مضيق جبل طارق لا يرتبط بضعف الإرادة السياسية، بل بواقع طبيعي هندسي يجعل الفكرة أقرب إلى المستحيل.
رغم أن أقصر مسافة بين الضفتين لا تتجاوز 14 كيلومتراً، إلا أن الهيئات الهندسية في إسبانيا ترى أن هذا القرب مضلل. فطبيعة المضيق، بأعماقه المتفاوتة والتي تصل إلى 900 متر، وتياراته البحرية الشديدة الناجمة عن التقاء الأطلسي بالمتوسط، تجعل تشييد دعائم لجسر ثابت أمراً غير قابل للتحقيق في ظل القدرات التقنية المتوفرة حالياً.
ويشير المعهد الإسباني للهندسة، وفق صحيفة لاراثون، إلى أن أي تصميم لجسر تتجاوز ركائزه 14 كيلومتراً يخرق الحدود القصوى الممكنة عالمياً، كما أن استقرار البنية فوق منطقة ذات حركة مائية مستمرة وقوية يعد تحدياً لا توفر له التكنولوجيا الحالية جواباً عملياً.
التعقيدات لا تقف عند حدود العمق والتيارات، فالمضيق يقع في نقطة التماس بين الصفيحتين الإفريقية والأوراسية، ما يجعله عرضة لنشاط زلزالي دائم. كما تمر عبره واحدة من أكثر طرق الملاحة البحرية ازدحاماً في العالم، ما يفرض أن يكون أي جسر محتمل مرتفعاً بما يسمح بعبور الناقلات العملاقة، وقادراً على تحمل الاصطدامات والاهتزازات والتغيّرات المناخية القاسية. خبراء الهندسة يقدّرون أن هذه الشروط تجعل كلفة المشروع “فلكية” وغير قابلة للتبرير اقتصادياً.
في ظل هذا الواقع، عادت الرباط ومدريد إلى إحياء مشروع النفق البحري الذي أعيد وضعه على الطاولة سنة 2023. التصور الجديد يقوم على نفق سككي بطول يقارب 60 كيلومتراً، منها 28 كيلومتراً تحت البحر. ورغم أن هذا الحل يبدو أكثر واقعية من الجسر، إلا أنه يظل أسير التحديات نفسها، خاصة الضغط الزلزالي والتضاريس المعقدة. الكلفة المتوقعة تتراوح بين 15 و30 مليار يورو، بينما تُقدّر المواعيد المتفائلة بأن تشغيله قبل 2040 يكاد يكون غير ممكن.








