زايوسيتي
تكشف آخر معطيات المندوبية السامية للتخطيط، المستندة إلى الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، عن صورة جديدة للتحول الديموغرافي بالمغرب، عنوانها الأبرز هو استمرار نزيف الهجرة الداخلية من الجهات الفقيرة نحو الأقطاب الاقتصادية الكبرى. وهي خريطة بشرية متغيرة تضع الجهة الشرقية في موقع مركب بين الاستقبال والطرد، وبين التماسك الداخلي والبحث عن فرص خارج الحدود الجهوية.
فقد استقبلت الجهة الشرقية ما يقارب 275 ألف وافد، أي حوالي 5% من مجموع المهاجرين الداخليين، بمؤشر دخول بلغ 12.1. لكنها في الوقت نفسه فقدت ما يقرب من 230 ألفا من سكانها، وهو ما يمثل 4.2% من إجمالي المغادرين على الصعيد الوطني. ومع أن مؤشر الاحتفاظ بالساكنة وصل إلى 89.6%، فإن ذلك لا يخفي واقع فقدان الجهة لنحو عشر سكانها النشيطين الذين يفضلون الهجرة نحو مدن توفر فرصا أكبر للشغل والعيش الكريم.
وعلى النقيض من ذلك، تواصل جهة الدار البيضاء-سطات ترسيخ موقعها كأقوى مركز جذب ديموغرافي واقتصادي في البلاد، إذ استقبلت نحو ربع المهاجرين الداخليين (24.9%)، تليها جهة الرباط-سلا-القنيطرة بنسبة 17.9%. كما استقطبت جهتا سوس-ماسة وطنجة-تطوان-الحسيمة نسبا مهمة بفضل ديناميتهما الاقتصادية والسياحية المتزايدة.
أما الجهات الداخلية، مثل مراكش-آسفي وفاس-مكناس ودرعة-تافيلالت وبني ملال-خنيفرة، فتعاني نزيفا سكانيا حادا نتيجة محدودية فرص العمل وضعف الخدمات الأساسية، ما يدفع الآلاف من الأسر إلى مغادرة مناطقها الأصلية نحو مدن أكثر حيوية.
وتبرز من خلال هذه الأرقام دلالات تنموية عميقة: فالمغرب يعيش اليوم توازنا سكانيا هشا بين المركز والأطراف، حيث تتسارع الهجرة نحو المدن الكبرى في مقابل تراجع جاذبية الجهات الداخلية. وفي قلب هذا المشهد تقف الجهة الشرقية، التي ما زالت تحافظ على جزء كبير من ساكنتها، لكنها مهددة بفقدان المزيد إذا لم تفعل مشاريع اقتصادية وتنموية حقيقية تخلق فرصا للشباب وتعيد الثقة في المجال الترابي المحلي.
إن مواجهة هذا التحول الديموغرافي لا يمكن أن تختزل في أرقام وإحصاءات، بل تتطلب رؤية تنموية متكاملة تعيد توزيع فرص الحياة بعدل بين جهات المملكة، وتجعل من الشرق وبقية الجهات الداخلية فضاءات للاستقرار، لا محطات عبور نحو المجهول.








