في مذكراته الجديدة المعنونة بـ«المصالحة»، التي ستصدر في فرنسا في 5 نونبر المقبل، يقدّم الملك الإسباني السابق خوان كارلوس شهادةً مؤثرة عن منفاه الطوعي في أبوظبي، وعن محطات حاسمة من حياته، من طفولته في زمن فرانكو إلى (التنازل عن العرش) عام 2014، مرورًا بمحاولات الانقلاب والجدل الذي لاحقه في سنواته الأخيرة.
في مقاطع من الكتاب نشرتها مجلة “لوبوان” الفرنسية في عددها هذا الأسبوع، نقرأ الملك الذي يبلغ من العمر 87 عاماً وهو يتحدث عن نفسه: «أن تُرغم على اقتلاع جذورك في مساء حياتك ليس بالأمر السهل. أعيش بلا منظور، بلا يقين في أن أعود إلى بلدي رغم أن القضاء برّأني من كل التهم. لقد منحت الإسبان حريتهم بإقامة الديمقراطية، لكنني لم أتمتع بها يومًا. ابني أدبر عني باسم الواجب، وأصدقائي تخلوا عني. لم أكن يومًا حرًا.»
ويضيف في مقطع آخر من الكتاب الذي نشرته مجلة “لو بوان” الفرنسية مقتطفات منه: «أفتقد إسبانيا كل يوم. هناك أيام من فراغ وكآبة وصمت. أعيش بلا يقين ولا هدف، وكل ما أرجوه أن أعود إلى وطني لأُدفن فيه بسلام.»
الوحدة والخذلان
يروي الملك المخلوع أنه غادر قصر «ثارثويلا» في صيف 2020 «من دون أن يعلم أحد»، بعدما اشتد الضغط الإعلامي والسياسي إثر الكشف عن حساب مصرفي في سويسرا واتهامات بتلقي عمولات، مؤكدًا أنه اختار الرحيل لحماية ابنه الملك فيليبي السادس «ولعدم عرقلة عمل العرش». كان يعتقد أنه سيغيب «أسابيع قليلة»، لكنه يعترف بأسى أنه بعد خمس سنوات ما زال في أبوظبي، غارقًا في شعور بالوحدة والخذلان، بعد أن «أدار له الابن والأصدقاء الظهر». يقول بأسلوبٍ يحمل نغمة حزن وآسى عميقين: «لقد منحت الإسبان الحرية حين أقمت الديمقراطية، لكنني لم أتمتع بها يومًا أنا نفسي».
يتذكر كارلوس الرسالة التي تركها على مكتب ابنه قبل مغادرته البلاد، يعلن فيها «استعداده التام لتسهيل مهام الملك الجديد وضمان استقرار العرش». ويصف مكالمته الأخيرة معه وهو على متن الطائرة، حين سأله فيليبي: «إلى أين أنت ذاهب يا رئيس؟ إلى لندن؟»، فأجابه: «إلى أبوظبي». كان ذلك آخر حوار مباشر بين الأب والابن لعدة أشهر.
تلميذ الدكتاتور
في صفحات أخرى، يعود الملك إلى ذكريات طفولته حين أُرسل بمفرده في سن العاشرة من لشبونة إلى مدريد عام 1948 بأمر من فرانكو، الذي كان قد قرّر تربيته في إسبانيا. يصف اللقاء الأول بالديكتاتور في مكتبه المظلم المليء بالأوراق، حين رأى فأرًا يمرّ بين قدميه فأخبره ضاحكًا، فابتسم فرانكو بدهشة. ويتذكّر النصيحة التي تلقاها منه لاحقًا: «في الفم المغلق لا تدخل الذباب».
يتحدث الملك السابق عن علاقته المعقدة بالجنرال، الذي كان يرى فيه خليفةً محتملاً، فيقول: «ربما رآني كابنٍ لم يكن له». وحين احتضر فرانكو عام 1975، أوصاه قائلاً: «احفظ وحدة البلاد». منحه، كما يقول، «الحرية لإطلاق الإصلاحات ما دامت لا تمس وحدة إسبانيا»، وهي اللحظة التي اعتبرها ترخيصًا ضمنيًا للانتقال نحو الديمقراطية.
ويستعيد فترة التحول الديمقراطي سنة 1977، حين جلست إلى جانبه في البرلمان «باشيوناريا» الأسطورية الشيوعية العائدة من المنفى، واعتبر المشهد رمزًا لولادة إسبانيا جديدة «قائمة على التسامح والتعدد».
سترة جنرال.. لكن بدون سروال
كما يروي تفاصيل ليلة المحاولة الانقلابية في 23 فبراير 1981، حين اقتحم الحرس المدني البرلمان. بعد ساعات من التردد والفوضى، ارتدى زيه العسكري وسجّل خطابه التلفزيوني الشهير الذي أعلن فيه رفض الملك لأي انقلاب على الديمقراطية. يقول: «لم أكن أرتدي سوى سترة الجنرال… لم يكن الوقت يسمح حتى بارتداء البنطال العسكري». وبحسب روايته، لم تنسحب الدبابات إلا عند الرابعة والنصف صباحًا، بعدما أصرّ هو شخصيًا على تنفيذ أوامره.
ويعترف خوان كارلوس لاحقًا بـ«خطأ قاتل» أضرّ بسمعته وعرشه، ملمّحًا إلى علاقةٍ عاطفية كانت وراء سقوطه، قائلاً إنها «ضعف إنساني لا يبرر لكنه لا ينفي إخلاصي لبلادي».
في إحدى فصول الكتاب، يعترف الملك السابق بأخطائه، خاصة علاقته العاطفية التي أضرت بصورته العامة وأضعفت مكانته في عيون الإسبان: «كانت ضعفًا بشريًا ندمْت عليه بمرارة. لم يؤثر على واجباتي كملك، لكنه دمّر حياتي العائلية وجعلني فريسة سهلة.»
كما يتحدث عن اعتذاره المثير للجدل بعد أزمة صيد الفيلة في بوتسوانا سنة 2012، ويقول إنه لم يُرضِ أحدًا: «بعضهم رأى أن الملك لا يعتذر، وآخرون رأوا أني لم أعتذر بما يكفي. كنت بين نارين.»
الملك يمكن أن يُنسى ويُدان بالصمت
ورغم محاولاته لتجاوز تلك المرحلة، فإن المنفى جعله يدرك هشاشة المكانة الملكية: «قضيت عمري أخدم بلدي، لكنني أكتشف الآن أن الملك، مثل أي إنسان، يمكن أن يُنسى ويُدان بالصمت.»
في فصوله الأخيرة، يتحدث عن لحظة التفكير في التنازل عن العرش عام 2014، مستحضرًا مقولة والده: «الملك يموت بحذائه». ورغم اعتراضات محيطه، اعتبر أنه «آن الأوان لفسح المجال لجيل جديد»، بعد أن تراجعت شعبيته منذ حادث الصيد في بوتسوانا عام 2012.
كل صباح أقول لنفسي: لا تدع العجوز يدخل البيت!
في منفاه الاختياري بأبوظبي، يقول خوان كارلوس إنه استعان بما يسميه «نظام نوراي» الصحي لاستعادة لياقته، مستلهمًا من المخرج الأمريكي كلينت إيستوود قوله: «كل صباح أقول لنفسي: لا تدع العجوز يدخل البيت.»
ويضيف أنه يحاول أن يعيش ما تبقى من عمره دون استسلام للزمن، لكنه لا يخفي حنينه: «لا يمر يوم دون أن تغمرني ذكريات إسبانيا: رياح غاليسيا، ضباب طليطلة، رائحة الياسمين وزهر البرتقال في إشبيلية. هنا كل شيء بارد، المناخ والعلاقات على السواء. ما ينقصني هو دفء إسبانيا وضوءها.»
في نهاية المذكرات، يبدو الملك الإسباني السابق كما لو أنه يكتب وصيته الأخيرة، ساعيًا إلى تسوية مع نفسه قبل أن يطلب الصفح من بلده: «لم أكن يومًا سيد مصيري. عشت دومًا لإسبانيا… وأتمنى فقط أن أموت فيها.»
التفكير في الموت والمصير
وفي صفحات مؤثرة، يتأمل الملك السابق مصيره بعد الموت، ويتحدث بمرارة عن الطقوس الجنائزية الملكية في إسبانيا التي تُخضع الجثامين لعملية «تحلل» تمتد خمسة وعشرين عامًا قبل دفنها في مقبرة الإسكوريال الملكية.
«حين تأتي ساعتي، فلتفعل بي إسبانيا ما تشاء. لا أعلم إن كنت سأدفن بين ملوكها، فالمقبرة امتلأت، وربما يبنون أخرى. ما أرجوه فقط هو أن أعيش بسلام، أن أتصالح مع ابني، وأن أعود إلى البيت.»
ويضيف أنه لم يعد يخشى الموت، لكنه يخاف أن يظل بعيدًا عن وطنه إلى الأبد: «ما يؤلمني ليس الموت بل الغياب. الغياب عن أرضي.»
هكذا، يُقدّم كتاب «المصالحة» صورة رجلٍ أنهكه المنفى، يسعى إلى استعادة كرامته ومكانه في الذاكرة الإسبانية، بين مجد الماضي وثقل الحاضر، بين الملك والإنسان.








