تحوّلت منطقة المحيط الأطلسي، حيث تقع جزر الكناري وقبالتها الصحراء المغربية، إلى مسرح غير معلن لصراع استراتيجي متصاعد بين المغرب وإسبانيا منذ سنة 2021، وسط غياب أي مواجهة مباشرة، لكن بحضور أجندات عسكرية متباينة تعكس رؤى مختلفة للأمن الإقليمي.
وحسب معطيات رسمية إسبانية، نقلتها صحيفة “vozpopuli”، فقد شهدت المنطقة خلال الفترة الممتدة إلى غاية يونيو 2025 ما يفوق 560 يوماً من الأنشطة العسكرية، منها 77 يوما فقط من طرف القوات المسلحة الإسبانية، مقابل 485 يوماً من المناورات المغربية، وهو ما يكشف عن تباين واضح في التكتيك والانتشار.
المغرب: حضور ميداني متواصل وسيطرة بحرية
من جانبه، اختار المغرب توجها يقوم على التمركز المستمر والعمليات البحرية المتواصلة، خاصة في المياه الإقليمية للصحراء، على بُعد حوالي 125 كلم فقط من جزيرة فويرتيفنتورا.
بين شتنبر ودجنبر 2024، نفذت البحرية الملكية المغربية 122 يوما من المناورات البحرية دون إشعار رسمي لإسبانيا، وهي أنشطة تكررت في النصف الأول من عام 2025 بحوالي 90 يوما إضافيا، وفق إشعارات الطيران (NOTAM).
على المستوى الجوي، اعتمد المغرب على تشغيل الطائرات بدون طيار المسلحة (VANT) طيلة 365 يوما متواصلة بين شتنبر 2023 وغشت 2024. وسجّلت بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (MINURSO) ما لا يقل عن 14 هجوما في شرق الجدار الرملي، في منطقة تشهد مرور شاحنات عسكرية بمعدل كل 90 ثانية.
كما نُفذت تمارين عسكرية برية في مناطق مثل طانطان، أكادير وطرفاية، شملت تدريبات على المدفعية، الدفاع الساحلي والحرب المضادة للغواصات، بمشاركة تُقدّر بما بين 6.000 و7.000 عنصر من الجيش المغربي، وفق تقديرات لمصادر عسكرية دولية.
“African Lion”: المغرب كشريك استراتيجي لواشنطن
إضافة إلى التمارين الوطنية، رسّخ المغرب مكانته كمنصة رئيسية للمناورات متعددة الجنسيات في القارة، من خلال احتضانه لتمرين “African Lion”، الذي يُعد الأكبر في إفريقيا الغربية. النسخة الأخيرة، التي جرت بين 12 و23 ماي 2025، عرفت لأول مرة مشاركة قاذفات B-52 الأميركية ومنظومة الصواريخ HIMARS، إلى جانب أكثر من 10.000 جندي من 30 دولة، مما عزّز موقع المغرب كشريك عسكري مفضّل للولايات المتحدة في المنطقة.
إسبانيا: تمارين نوعية بقدرات أطلسية
في المقابل، تركز إسبانيا على تمارين محدودة زمنياً لكنها متقدمة تقنيا ومتكاملة مع منظومة حلف شمال الأطلسي. أبرزها تمرين “Sirio” (2022 و2024) و”Eagle Eye” (2024 و2025)، الذي شهد تعبئة مقاتلات F-18، بطاريات دفاع جوي من نوع NASAMS، وفرقاطات بحرية. كما أجرت القوات البحرية الإسبانية تمرينات إطلاق حي للأسلحة في إطار “Sinkex 25″، بمشاركة 1.900 جندي و12 سفينة.
على المستوى البري، أجرت وحدات الدفاع الجوي الإسبانية (UDAA 94) تمارين في جزيرة “لا إيسليتا”، كما نظّمت وزارة الدفاع احتفالات استعراضية كبيرة بمناسبة يوم القوات المسلحة في يونيو 2025 بجزر الكناري، شملت عرضاً جوياً وبحرياً واسعاً.
تناقض في الاستراتيجية والشفافية
رغم تشابه حجم المناورات في الظاهر، إلا أن الفارق يكمن في الاستراتيجية: إسبانيا تراهن على الكفاءة والتكامل مع الحلفاء، بينما يعتمد المغرب نهج الاستمرارية والتموقع الميداني.
هذا التباين، الذي يتزامن مع تصاعد أهمية الموارد الطبيعية في أعماق المحيط الأطلسي وتنامي الاهتمام الدولي بالمنطقة، يجعل من جزر الكناري اليوم أكثر من مجرد وجهة سياحية؛ بل نقطة ارتكاز جيوسياسية في معادلة الأمن والدفاع الأوروبي الإفريقي.








