بقلم الأستاذ: خالد أيت عدي
استوقفتني عبارة في أحد جدران الشوارع وأنا أتأمل فيها تقول “كل الوصايا وأسلحة الأرض عاجزة عن قتل أغنية أو رواية أو حلم ذكريات الطفولة”.
هي ربما قد تكون مجرد خربشة حائطية.. أو وجع أو نسيان في شهر نيسان أو حلم ذكريات.. فهناك ما تتشابك جدرانها بسنوات الذكريات.. وتقطر أرجاءها بباب الصباح في معرج وقت مضى وما انفك.. ولملمة مجمع اللمة التي بددها الزمن فبادت تاركة وراءها أزيز ما قبل الحياة.. وهمس الجمل من قلب خير الأهل الذين كانوا.. وما انفكوا.. أتذكر أيام الطفولة الصعبة.. بصخبها وبوجعها وبفرحها وكل مكنونات الصباح الباكر.. ربما منازل الطفولة وأنين الذكريات ما خلت حتى أضحت ولا تزل تنسج خيوطها العنكبوتية على ساعة العمر السالفادوري.. منازل تنغرس في المضارعة نكاية في عوسج الماضي وغيهب الغسق.. كشجرة سرو ضاربة بجذورها في حِجر الحجر.. يختلج اسمنتها بنبض الشوارع والمارَّة.
حين تسند وجهك على جدرانها تسيخ السمع.. تسمع نزغ العفريت النفريت.. وكأنما يد تقربك برفق حنان الأم وشهامة الأب إلى أحضان صارت عكس عقارب الساعة.. رأيتها يوما عارية بدون طلاء يسترها.. مجرد طلاء طين يلف على رجليها ممدة في الأرض وأبواب موصدة ينهشها مع مرور الزمن صدأ سنوات العجاف.. وكم من مسامرة ليلية يحكى لي أحاجيج القدامى بين مغرب الأمس ومغرب اليوم.. ونُمنِّي النفس وقف الزمن.. تذكرت أنني مجرد صبي عابر على مقربة مشنقة الحياة يشرئب بعنقه.. ويتقافز كي يرى وجهه بالمرآة.. تشاغبها بأن تحكي كيف كانت منازل الطفولة ليس غير.. وحيد في حي لم يحيا بعد.. تقاوم أشلاء الإسمنت.. وحقول الدجى بزغاريد العصافير ذهبت سدى منتظرة من يتقاسمها المحراث والفأس.. فتذكر كيف كنت تعتبر صعود الدرج ليلا أو خلاء حالك الظلام لوحدك مغامرة قد تطير لأجلها الرؤوس.. ويحفها الجن والمردة.. وكيف انتحبت محتجا لأنهم يكلفونك دائما بفتح باب محفوف بالمخاطر مطوح بأرجلك بين التردد والمخاوف وهلوسات الأذن ما سمعت من حكايات مأدبة الأمة..
منازل الطفولة ليست مجرد أماكن.. هي كائن حي تربطنا به وشائج قرابة عميقة.. نغار لأجلها.. نحفها مثلما تحفنا.. وحين تصاب بعطب لا نصلحها.. حاشانا.. بل نرممها ونداويها.. ونضمها قيد أنملة.. من خلق الخبائث.. كجسم جريح لا ينزف إلا الذكريات.. لا تنام منازل كهذه إلا بعد أن تطمئن على أن الجميع خلد للنوم.. فتسربل نفسها بوشاح الليل.. وتغمض عينك قليلا.. وعينها على هذا الصبي الذي لاينام قط في عشه القصي فوق سطحها.. محبا لليل وللسماء وسكرة النجوم والقمر.. كما تحكى مرويات الأسطورة “ديانا آلهة الإغريق مطلة على جبل لاتموس الذي يطاردها العشاق”..
منازل الطفولة تحفظ لكل أهلها مكانه ورمزيته.. ومهما حشرت فيه من أشياء غريبة وجديدة.. تصر على أن تنسب الركن لصاحبه.. حين يفرح الأهل لختان أو عرس أو عقيق تهتز جدرانها راقصة وجدلى لفرح أهلها.. وحين ينهزم واحد أمام ضربات القدر.. تود لو تمشي وراء الجنازة رغم الوجع.. لكنها تصمد صونا للعهد.. وتبكي مع من يبكي.. وتتضمخ أيضا برائحة الورد.. مصغية بخشوع لقراء الأذكار.. تظل وفية للموتى كما الأحياء.. تصر على الالتصاق بأشيائهم.. ولا تطلقها من قبضتها إلا بالكثير من التحايل والاستعطاف.. أبوابها تتذكر كل الأنامل التي طرقتها.. تلك الضربات الرزينة الفاخرة لأب يعود من التزام عقد أو عمل.. وأخرى لأخ يعاند الحرية والواجب.. تذكر كل الطرقات في ليلة شعائر الدين تجتمع القلوب لفزع دك حصون أبواب الجيران بين الهرولة والهروب عله لا يكشف سر هؤلاء المشاكسين المغول.. كما لو هم قطاع الطرق كأمثال تأبط شرا أو صعاليك المدينة.. وأثناء العودة إلى مسامرة الليل نختفي كلصوص المتلصصة الحذرة لمن عليه أن يبرر تأخره لأكف الأم الحنون.. وتلك الطرقات التي لا تطيق الانتظار.. وأخرى تعلن بايقاعها فرحا ما.. وتذكر أيضا ذلك الصمت.. الذي لم يعد يطرق الباب أبدا.. منازل الأمس وذكريات الطفولة بها فسحة للحياة لا ضيق يشوبها.. لم تبن بل نبتت بسقي المحبة والمودة والإخاء والرحمة على أولئك .. تستخف من تجار العمران والعقار البئيس وتسترخص الإنسان باسم الحق في السكن بالربا والسلف.. وتشمئز من قلة حيائها واحتكاك بعضها ببعض.. وحينما ترى كل المساحيق التي تجللها.. تشمئز من عهر مكان يغطي بشاعته برشة لون وبرقشة التماع.. تبارك لمنازل الأهل والأحباب الصامدة العامرة بجودها وكرمها.








