أنا الهواء والدواء

آخر تحديث : الخميس 29 أبريل 2021 - 12:49 صباحًا
2021 04 29
2021 04 29
الحسين بوخرطة
الحسين بوخرطة

ما الهواء؟ ولماذا إضافة عبارة “الدواء”؟

إنه المادة الحيوية للعيش على الأرض. بدونها تنعدم الحياة لكل ما هو حي، ينتمي للمحيط الجوي الأدنى. هو جسم سائل وغازي مكتمل، وممتاز، ولا لون له ولا رائحة، ولا يرى بالعين المجردة. جودته وكمياته جد حساسة لتبخر المياه والتخليق الضوئي النباتي والأنشطة البشرية.

كل كائن بشري منا يحتاج إلى كمية عالية منه للعيش بشكل عادي أيام حياته، قد تراوح أو تتجاوز خمسة عشر ألف لتر مزودة بمكوناته النقية والصافية (الأكسجين أساسا)، ليبقى ثاني أكسيد الكربون محددا للطقس الجوي بوقعه كفاعل مناوئ بقوته الدفيئة لفضاء العيش. إنها جودة وجود بشر مرتبطة بأنشطته وسلوكه ودرجة شغفه لمغازلة اخضرار المشاهد الطبيعية في الريف والمدينة، ورسم لوحات مناظر طبيعية واقعية خلابة تكسوها النباتات والأشجار المختلفة، وتزخرفها الورود والأزهار.

الهواء بكينونته دائم الاستعطاف للبشر. يداعب النساء والرجال، بمسكنة، وهم منهمكون في أنشطتهم المنزلية والصناعية والفلاحية والحرفية. يهمس لسائقي السيارات والشاحنات والطائرات والبواخر في آذانهم سائلا إياهم عن نوع المحروقات وصيانة المحركات. يتسلل لمكاتب الملوك والرؤساء والوزراء، ويرتكن في مكان سري، لعله يلامس في خطاباتهم وسياساتهم غيرة على وجودهم ووجود الأجيال بعدهم. تكررت الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات، وتخللتها النقاشات والخلاصات والتوصيات الناذرة في شأنه، لتبقى حبيسة الرفوف حبرا على ورق.

يحتار الهواء، يتعصب ويتنرفز، أمام مسؤوليات تعبث بصحتها وشروط حياة وتنمية خلايا شعوبها. يسيطر عليه الفجع والوجع وهو يرى تجبر عوامل التلوث الأولية والثانوية. ينتابه إحساس بالاحتقار أمام إدمان ثاني أكسيد الكربون على تنظيم المهرجانات والاحتفالات المتكررة، بحضور الكبريت، والنتروجين، والهيدروكربونات الخفيفة، والمركبات العضوية المركبة، والجسيمات التي تحتوي أو لا تحتوي على مركبات معدنية مثل الرصاص والزئبق. تتشابك أيادي الملوثات المتغطرسة، وتتراقص مع أشعة الشمس والحرارة، فينبعث منها الأذى غازا يتطاير في السماء. يحلق الأحفاد برئاسة الأزون في الهواء القريب، مغردين جذلانين، وينفذون إلى الأبدان بأريحية عبر أنوف البشر المستهترين بتفاقم تدهور بيئتهم. يشهرون أسلحتهم الفتاكة، وتشن الحروب الضروس مع الخلايا البشرية.

يستنفر الهواء كل مرة جيوشه، التي يتضاءل عددها باستمرار. تتسرب القوة النافعة إلى النفوس، ويتلاحم مع الخلايا الحيوية للأجساد. يشتد في البداية تبادل إطلاق النار، تتقارب الفيالق المتصارعة في ساحة الوغى، فتتشابك بالأيدي والخناجر والهراوات تحت ضغط الطائلة. يكتب الظفر لهنيهات للهواء بتعسر وبخسائر كبيرة، وبانفراط مسترسل في قوة الدفاع والمقاومة. أما الخلايا، فتقدم في كل معركة التضحيات الجسام جراء التهاطل الكثيف للقنابل الموقوتة والرفس الذي يطالها بقسوة شديدة، وتكرار المعارك الضارية من حين لآخر.

أنا الهواء، وأنا الدواء، لكن أين أنتم يا بني البشر؟ أستبق دائما ما سيحدث، ولا أستاء، ولا اختفي، ولا أستسلم، دفاعا عن خلاياكم. تقزز من الحديث بسبب الخوف من حرب مفتوحة منهكة، واستعصاء ظهور مؤشرات التسوية. الهجومات تزداد وثيرتها وحدتها، ومصدر قوته وخلايا الإنسان يصيبهما الوهن والعطب والتلف والاغتيال باستمرار. الوضع أصبح فاضحا جراء ما أصابكم يا معمري الأرض من تيه وإملاق وعوز في التفكير. توقاني للعز والفخر، يجعلني متأهبا بعزم فائض للدفاع عن شرف وكرامة الحياة. فحذاري من استسلامي وعدم قدرتي على الانبراء لشجع الملوثات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.