الدكتور أيمن بوبوح يكتب عن التطبيع

آخر تحديث : السبت 26 ديسمبر 2020 - 3:41 مساءً
2020 12 25
2020 12 26

د. أيمن بوبوح

عن التطبيع

لم تكن سنةُ 2020 لِــتنتهي دون أن تثير المزيد من الدهشة والصدمة والجدال. وفعلا، انتهت مثيرةً كما بدأت كذلك. ونحنُ صُـدِمنا نهايةً كما صُدمنا بدايةً. سنةٌ درامية على وشك الانتهاء قد لا تأتي علينا سنة شبيهة بها في المستقبل، ولا نرجوها أن تعود؛ سنة كانت شاهدةً على أحداث مدهشة ووقائع مأساوية. حاولتُ أن أستذكر أهم هذه القضايا فاكتشفتُ أنني قد أسوِّد ورقات عديدة، قبل أن أبدأ في كتابة الأفكار الرئيسية التي أريد تضمينها في هذا المقال. يبدأ شريط الأحداث بمقتل الإيراني قائد فيلق القدس قاسم سليماني على يد القوات الأمريكية في العراق، مرورا بحرائق أستراليا المهولة، والإغلاق التام في العالم بسبب تفشي فيروس كورونا، واحتجاجات “حركة السود مهمة” في أمريكا بعد مقتل جورج فلويد في عز ذروة وباء كورونا، ثم كارثة انفجار مرفأ بيروت الذي حوّل المدينة إلى منطقة منكوبة، دون أنسى الحروب في أكثر من دولة سوريا وليبيا وكاراباخ وغيرها، والاحتجاجات العنيفة في لبنان وبلاروسيا وفرنسا وهونغ كونغ، ووفاة عدة شخصيات شهيرة عديدة، كديغو مارادونا وعبد الرحمن اليوسفي والرئيس الأسبق المخلوع حسني مبارك وسلطان مملكة عمان قابوس بن سعيد وأمير الكويت صباح الأحمد الصباح وغيرهم. وبالإضافة إلى ذلك، كان مسلسل التطبيع في العربي العربي من أهم أحداث هذه السنة التي ستُخلَّد في المخيال العام العربي لوقت طويل.

على المستوى المحلي، عشنا عامَ الفقدان بامتياز، مَن لم يمت بالكورونا ماتَ بغيره؛ أطباء وأساتذة وقضاة وفنانون ورجال الدين والسياسة وعموم فئات الشعب. وكَم فقدنا من أشخاص وهم في مقتبل العمر وعنفوان الشباب. ثم جاء أحداث الكركرات، وتلاها بعد ذلك إعلان ترامب في العاشر من دجنبر الجاري اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه وأقاليمه الجنوبية، ونجاحه في وساطةٍ بين المغرب وإسرائيل ترتّب عنها استئناف الاتصالات الرسمية الكاملة بين المسؤولين الإسرائيليين والمغاربة وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة. وفي ذات اليوم، صدر بلاغ عن الديوان الملكي أكد ما جاء في تغريدة ترامب حول الموضوع. وبعد مرور اثنا عشر يوماً على هذا البلاغ، أي في الثاني والعشرين من هذا الشهر، حطت طائرة إسرائيلية رحالها بمطار الرباط ـــ سلا في رحلة مباشرة، وعلى متنها صهر ترامب وكبير مستشاريه جاريد كوشنر، ومستشار الأمن القومي مائير بن شباط. وفي اليوم ذاته، استقبل جلالة الملك محمد السادس هذا الوفد وتم الاتفاق على توقيع مجموعة من الاتفاقيات بين المغرب وإسرائيل من جهة، وبين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية، ثم تُوّج ذلك بإصدار إعلانٍ ثلاثي مشترك: مغربي ـــ إسرائيلي ـــ أمريكي ملزم للأطراف.

وقد أحدث هذا القرار زلزالا على مستوى الرأي العام الوطني، ما بين مؤيِّدٍ له، معتبراً أنه انتصار غير مسبوق للقضية الوطنية الأولى: الحفاظ على الوحدة الترابية للمملكة، ودليل على حسن تدبير هذا الملف الحساس، ومنعطف هام في القضية؛ وبين معترضٍ عليه، معتبراً أنه خيانةٌ كبرى، وخذلان مرير، وخنوع للابتزاز الخارجي، ومساومة رخيصة، ومقايضة خسيسة، وهزيمة أخلاقية وديبلوماسية مدوية. وهناك فئةٌ ثالثة فضّلت الصمت، وهو غالباً كان صمتُها صمتَ مَن لم يرضَ ومَن لم يُعجبه ما حدث، وهو صمتُ من لا يرى جدوى من الكلام الذي لا يُقدم ولا يؤخر، طالما أن ما حصل قد حصل، ولن يتغير شيء. والقاعدة أنه لا تزر وازرة وزر أخرى. وهم في ذلك على مذهب عمر بن الخطاب في مقولته: “لا ينفع تكلُّـــمٌ بحقٍّ لا نفاذَ له”.

وفي الحقيقة، فمنذ الإعلان عن تطبيع المغرب لعلاقاته مع إسرائيل في العاشر من شهر دجنبر الجاري، أتلقى بشكل يومي رسائل تستفسرني عن موقفي من هذه القضية، ويُطلب مني أن أعلن رأيي في الموضوع. خاصة وأنني أحرص على المشاركة في النقاشات العمومية التي تثار من حين لآخر في قضايا هي أقل أهمية من هذه التي نعيشها في هذه الأيام. والحق أنني قبل كتابة هذا المقال، كنتُ من الطائفة الثالثة التي رأت في الصمتِ خياراً مناسبا؛ والصمت علامةٌ على غير الرضى في هذه الحالة. ثم مع الإصرار من المتابعين والأحبة، رأيتُ أن أفصح عن رأيي في الموضوع. ولا أحتاج أن أؤكد أنه رأي شخصي لا يلزم أحدا. وحتى لا أدندن كثيرا، فموقفي هو الرفض لما حدثَ قطعاً وقولاً واحداً. ولا أرى أنني سأغير هذا الموقف يوما ما.

وقد شعرتُ بالخزي طوال هذه الأيام، وأحياناً أعود وأقرأ في مذكراتي حول القضية الفلسطينية، وأستذكر ما عشتُ في تلك الأراضي الطيبة قبل أزيد من عشر سنوات، لمّا كنتُ هناك أثناء الحرب على غزة في 2009 في قافلة طبية.

لم أشعر بالخزي فقط لأن “إسرائيل” أو الكيان الصهيوني هي دولة مُحتلة لأرض شعب ظُلِم ومُزّق وشُرّد وسُجن، وسُلبت حريته، ودُنست مقدساته التي تعتبر مقدسات لكل مَن يدين بالإسلام من المغاربة ! بل شعرت بالخزي أيضاً لأنني أعرف أو بالأحرى أشعر أن المغرب لم يُقدِم على هذه الخطوة إلا تحت الضغوط والابتزاز بسبب قضية الصحراء. شعرتُ بالخزي لأن دولة في الجوار جعلتْ المغرب ضعيفاً في مواقفه الخارجية؛ شعرتُ بالخزي لأن هناك إبرةً في جسمنا ـــ قضية الصحراء ــــ تبتزّنا به دولٌ لا شأن لها ولا قيمةَ. وما الظنُّ عن دولة عظمى، هي القوة الأولى في العالم ـــ الولايات المتحدة ـــ ، وكيان غاصب أصبح قوةً كبيرة في منطقة الشرق الأوسط، حتى أصبحت الدول في المنطقة تتسارع إلى كسب ودّه، والتقرب إليه زلفى.

شعرتُ بالخزي، لأنني كنتُ هناك في فلسطين، ووقفتُ على معانات الفلسطينيين، وتخيّلتُ ردود فعلهم عند تلقّوا خبر تطبيع المغرب لعلاقاته مع كيانٍ محتلّ لأراضيهم، أشبع فيهم تقتيلا وتيتيماً وتهجيرا واغتصابا وتعذيبا؛ شعرتُ بالخزي لأن ضعفاء أكثر مما نتصور.

نعم، شعوري بالخزي ليس شعور أستاذ جامعي في العلاقات الدولية، ولا شعور رجل في منصب اتخاذ القرار، ولا بشعور مَن يتعامل مع الموضوع بمنطق الربح والخسارة، مَن يعدد الإيجابيات والمكاسب، ويوازن بينها وبين المفاسد. شعوري هو شعور إنسان لا يَقبل بهذه المقايضة الخسيسة بدءاً وانتهاءً. شعرتُ بالخزي أكثر، لأنه في الوقت الذي يزورنا وفدٌ من هذا الكيان كانت حكومته تستعدُّ لطرح لقاح لشعبه مصنوع محليا، ونحن ـــ ومعنا كل الدول العربية ــ ننتظر أن يأتينا من دول أخرى، بعد أن يحققوا اكتفاءهم الذاتي.

كنتُ نشرتُ في العام الماضي مقالا عن القضية الفلسطينية، بسبب مؤتمر المنامة في البحرين، تساءلتُ فيه: هل تخلّينا هل فلسطين؟ كان واضحاً أننا بدأنا في ذلك، واليوم تأكد لنا بالملموس. كان من بين ما ضمنتُه في هذا المقال أن قلت: ” المهمة هي إخراج الأمة من حالة العجز: العجز عن اتخاذ القرار، العجز عن الانتصار للنفس، العجز عن رفض الظلم!”. وأعود لأؤكد مرة أخرى أن هذه هي المهمة، لم تتغير. “المهمة هي أن نعمل على أن نملك أمرَنا، أن يكون قرارنا بأيدينا، أن نكون في وضعٍ لا يُجرّئ أحداً علينا”. هذه هي المهمة. وهي جوهر فكرة مالك بن نبي عن القابلية للاستعمار.

طبعاً، لنا أن نتفاءل بالمستجدات الذي حدثت في قضيتنا الوطنية، ولا يُمكن لذي عقل أن يُنكر أهمية اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على صحرائه، ولا يمكن التقليل من الجهود الديبلوماسية المبذولة لحلحلة هذه القضية، والتخلص من هذا المشكل الذي عمّر أكثر مما ينبغي. وقناعتي أنه يجب أن يتحرك المغرب بشكل أكبر لتصفية هذه القضية، ليكون تركيزنا على معركة التنمية والمضي قدماً بهذا الوطن. هذه القضية تُعيق كل الجهود المبذولة والتي يمكن بذلها في سبيل النهوض بهذا البلد.

نعم، يحزُّ في النفس أن دولة شقيقة في الجوار، هي جوهر المشكل وأساسه. عوض أن تكون علاقاتنا معها سلماً وتعاوناً وتبادلا للخبرات، وبدل أن تقوم علاقاتنا على التعاون الاقتصادي والأمني تَقوم هذه الدولة الجارة الشقيقة بكل ما تستطيعه ــ وما لا تستطيعه ـــ من أجل زعزعة الاستقرار في وطننا، وتشتيت لحمته، وتفريق أبنائه. كان من المفروض أن نتكتل، ونكوّن سوقاً موحدة مع دول أخرى في المنطقة، سوق كانت ستضم أكثر من سبعين مليون مستهلك. لكن ظللنا نتراشق كالديكة، والأمم من حولنا تتكتل دون أن نتعظ.

أختم بالقول: إنني أعرف جيداً أن العلاقات الدولية بين الدول قائمة على المصالح، وأن المغرب يحاول أن يعظِّــم مكاسبه، وأن يحفظ مصالحه، وأدرك جيدا أيضا قيمة المكاسب الديبلوماسية والاستراتيجية الذي كسبها المغرب من هذا القرار، كما أعترف أنني لا أتوفر على كل المعلومات اللازمة، والخيارات التي كانت أمام صنّاع القرار المغربي لكي أقيم هذا القرار تقييما منصفا وموضوعيا، لكن أظل وفيا لقناعاتي. وقناعتي أن هذا الكيان الغاصب هو كيانٌ ظالم، محتلّ. لذلك أرفُض التعامل معه. دون أن يعني ذلك أنني أشيطن أو أخوِّنُ أحداً ممن اقنتعوا أو اضطروا إلى الإقدام على هذه الخطوة أو باركوها؛ فكلُّ شخصٍ معه عذره، وليتحمّل كلُّ أحدٍ مسؤوليته. أيمن بوبوح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات7 تعليقات

  • التطبيع ابادة قالها العثمانيي….والان????

    كل الأحزاب المغربية بدون إستثناء كتبيع القرد و تضحك على لي شراه

  • دافع عن وطنك، المغرب أولى بالدفاع، في هذا الظرف الدقيق الذي تتكالب فيه علينا الجزائر وبيادقها.
    القضية الفلسطينية لا تعرف تاريخها ولا جوانبها المظلمة
    ولا يمكن لك أن تكون وطنيا أكثر من الملك
    الملك أكثر تبصرا بالواقع/ وأكثر معرفة بدقائقه
    إطلاق اللحية لا يعني المعرفة ولا الصدق ولا التقوى
    اتق الله يا بوبوح، وكن وطنيا خاصة في هذا الظرف الدقيق، ولا تمارس التغليط والتغرير بالناس البسطاء

  • ما أسهل النضال والدفاع عن القضية الفلسطينية خلف لوحة المفاتيح، وفي الفراش الوثير
    ما أسهل رفض التطبيع على من لا يعرف خفايا الصراع ولا قضاياه ولا تطوراته

  • بارك الله فيك

  • احييك.اخي.الدكتور. ايمن بوبوح على هدا التحليل الرائع والمستفيض… . وإضافة إلى ما قلت.يا استاذ.المحترم.
    .المغرب يعرف جيدا أين هي مصلحته والدبلوماسية الناجحة تقوم بدور فعال على جميع الاصعدةوالتي يشيد بها الأعداء قبل الأصدقاء اليوم المغرب كسب اعتراف اقوى دولة على وجه هذه البسيطة على صحراءه إلا وهي الولايات المتحدة الامريكية.وهذا ان دل على شيء انما يدل على نجاح هذه الدبلوماسية المغربية وكما نجح المغرب في جلب استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات التي سوف تعود بالخير.العميم عليه. وجلب مزيد من الدول الى الاعتراف بمغربية الصحراء ….اما فيما يخص اعتراف المغرب بدولة إسرائيل فكما هو معروف العلاقات المغربية الإسرائيلية كانت منذ أمد بعيد رغم أنها عرف ت احيانا تذبذبا.بين التوتر والإفراج في إحدى مراحلها عبر.الزمن.لكن اليوم رجعت الى طبيعتها.ورغم هده العلاقة واللتي تصب في مصلحة اللطرفين.فان المغرب لم ولن يتخلى عن فلسطين.وهو دايما يطالب بتقرير حق الشعب الفلسطيني وكما يطالب بحل الدولتين .فالمغرب لن يتخلى عن فلسطين. اعتقادي ان المغرب هو الرابح الكبير في هذه الصفقة الثلاثية التي وقعت بين المملكة المغربية ودولة إسرائيل والولايات المتحالمتحدة.اللهم زد وبارك في استثمارات اعترافات أخرى قادمة على الطريق.اما جارة السوء التي يحكمها العسكر من قبضة الحديد.والتي صرفت المليارات من الدولارات على جمهورية الوهم.سوف لن تجني سوى الريح.والخسارة. الى الامام ياوطني المغرب الغالي. والخزي والعار لكل أعداء وحدتنا الترابية عاشت الدبلوماسية المغربية عاش الملك.المفدي محمد السادس.

  • نعم دكتور اشاطرك الرأي والاحساس نفسه وأنا على يقين أن المغاربة لهم نفس الرأي،الاقصى يدنس والصهاينة يريدون هدمه لبناء هيكلهم المزعوم وغزة تحاصر وتجوع والعرب يكافؤونهم بالتطبيع والاعتراف بهم،نعم نحس بالخزي والعار لأن التاريخ سيكتب أن المغاربة الذين استأمنهم صلاح الدين على الاقصى المبارك وطلب منهم الرباط بأحد احياء القدس لشجاعتهم واستماتتهم في الدفاع عنه، اليوم يطبعون مع العدو المغتصب.نقول عذرا فلسطين عذرا يا قدس عذرا يا غزة.

  • لأرض الطيبة لا تغطي غير الزهر الطيب.بوركت ايها الطبيب الانسان