زهاء عشرين عاما معرفة بالسيد عبد الرحمن الزاهي

آخر تحديث : الأربعاء 30 سبتمبر 2020 - 11:33 مساءً
2020 09 30
2020 09 30
مصطفى بنتعيات
مصطفى بنتعيات

بقلم مصطفى بنتعيات / رئيس جمعية الشباب والخدمات الإجتماعية بفرانكفورت كأن الشعوب تسوء أخلاقها إذا طال عهدها بالفقر والمسكنة. وكذا صار من الندرة بمكان أن تحظى في جـل البلدان الفقيرة بمعرفة إنسان شريف ذي خلق. ولافـرق في ذلك في أي شريحة من الشعب كنت تبحث. الوضع لا يختلف إن فتشت بين التجار في الأسواق أو الأطباء أو الأساتذة في المدارس أو المومظفين في مصالح الدولة سواء أرجالا كانوا أم نساء. الفساد عام والظلم متفشٍ وأخلاق الساعة هي الكذب والنفاق والإنتهازية

لذا فأنا أعتبر نفسي من المحظوظين أيما حظ أن كُتِب لي أن أتعرف على رجل شريف موظف لدى الدولة على مستوى عالٍ من المسؤولية هو الأستاذ عبد الرحمن الزاهي / رئيس المؤسسة الحسنية للمغاربة المقيمين بالخارج. تعرفتُ على السيد عبد الرحمن الزاهي قبل زهاء عقدين من الزمان. وعرفتُه رجلا متواضعا من أول وهلة. لم يجعلني ولا مرة أحس بأنه أعلى شأنا مني وأعلى في السلم الإجتماعي والتوظيف وأنا درويش ريفي لا أحسن العربية ولم أحُز شهادة علمية أو دكتوراه. بخلاف كثير من الموظفين مهما ضؤُل قدرهم وسَفَلَت درجتهم في سلم المسؤوليات واعتبارات المجتمع. لم يخاطبْني السيد الزاهي إلا بتقدير وبِلُغة سهلة سلِسة هادئة. يمكن لأي واحد يريد التأكد الأولي من تواضع السيد الزاهي أن يزوره في مكتبه فيجدُه مكتبا مُرَتَباً نظيفا لا إفراط في اتساعه وأثاثه بل يمتاز بالبساطة والوظيفية. وهذا مثير للإنتباه فأنت لا تكاد تجد موظفا في هذا المستوى وعلى رأس مؤسسة بهذه الميزانية وتحمل مذل هذا الإسم إلا وتجد له مكتبا واسعا فاخرا في أثاثه مفروشاً بأغلى الزرابي وجدرانُه مزخرفةٌ بِلَوْحاتٍ غالية نادرة وفي زواياه زهرياتٌ من أقصى بلاد المشرق. وخاصة إذا كان هذا الموظف يشغل هذا المنصبَ لمثل هذه المدة التي تجعل كثيرا منهم يعتبرونه بَيتَهم ومِلْكَهم فيرغبون إلى تحويله قصرا. لم أتصل بهاتف السيد الزاهي قط مِنْ غيرِ أن يرفعَ لِـيُجِـيب بَكل أدب وترحيب. عفويةٌ تامةٌ وأريَحية كأننا صديقان حميمان. والواقع أنه لا تجمعنا صداقة ولا عِشْرة ولا قضَيْنا طفولة معاً ولا اشتركنا في دراسة ولا جلسنا حتى على مائدة طعام سويةً. مَن أنا إذاً ليعامِلَني كما وَصَفتُ؟ لستُ صحافيا ليتوخى السيد الزاهي مني أن أنشرَ عنه مدحا أو ليَخافَ مني لدغة قلم. وحتى الآن فإنه لا يدري أني أكتب عنه هذا المقال وبالتأكيد سيكون له مفاجأةً إذ يعلمُ أني لست بكاتبِ مقالات. ولا أملك أي سلطان أوصلاحية لأرفع درجته في سلم التوظيف أو لأتوسط لصالِحِه ولست طبيبا قد يرجو مني حُسنَ المداواة لقرببٍ أو صديقٍ ولستُ حتى وليا ربانيا ليرجوَ دعائي المستجاب أو شَفـاعتي يوم الحساب. إنما أحسِبُه يقومُ بمسؤوليته ويؤدي وظيفته بطريقة هادئة يرجو المواطنُ البسيطُ لَوْ كَثُرَ الموظفون أمثاله. أنا رجل بسيط مغربي مقيم في الخارج. إذاً أنا مِن الذين أقيمت مؤسسته لصالحهم وللعناية بحاجياتهم. فلا غرابة أن تعتني بي المؤسسة التي يرأسها السيد الزاهي. ثم إني لما قصدتُهُ أول مرة لم أقصده لمصلحتي الخاصة وإنما معتنيا مثلَه بِرَعِيتِه أي بثُلةٍ من شباب الجالية المغربية في مدينة فرانكفورت. لعل السيد عبد الرحمن الزاهي لما تقابلْنا أولَ مرة رجى أن تكون جمعيتُنا تَخدِم هؤلاء الشبابَ وتبذلُ مجهوداً يخدم أهداف المؤسسة الحسنية. إذاً الإحتمال الأرجح أنه رأى أن جمعيتَنا مَنُوطة بعنايةِ مؤسسته وأن تحظى بخدماتها. لا أقل ولا أكثر. خدمة جمعيتنا تتمحور بالدرجة الأولى في مدينتـنا في ألمانيا حيث يقيم هؤلاء الشباب وحيث يواجهون تحديات حياتهم. لكننا نرغَبُ بطبيعة الحال أيضا في توطيد علاقتهم ببلدِ آبائهم الحبيب، وهنا وجدنا في مؤسسة السيد عبد الرحمن الزاهي خير مساعد. فقد ساعدتنا بما لديها من إمكانيات محلية كمقر المؤسسة في القنيطرة ووسائل النقل. هذا مَكننا من أن نتفرغ لِنَهْتَم بمواعيد في مؤسسات الدولة والثقافة كالبرلمان وأندية الشبيبة والمدارس ومآثر تاريخية مما أتاح للشباب فرصا ثمينة للتعرف على بلدهم من زوايا لا تتاح لهم عادة في زيارات العطلة الصيفية. فكانت مساعدة المؤسسة مساهمة كبيرة في نجاح الرحلات أيما نجاح. وكان السيد عبد الرحمن الزاهي حاضرا بشخصه لا كموظف يؤدي وظيفته فقط وإنما كأب مسؤول. في إحدى الرحلات مع الشباب كنا حسَبنا طعام العشاء خلال أيام الرحلة على مؤسسة أخرى لدولة المغرب ذات ميزانية وإمكانيات كانت قد وعدتنا وعدا أكيدا أن طعام العشاء عليها. وبالتالي لم تكن كُلفة طعام العشاء محسوبة في رُسوم المشاركين من الشباب ولم يكن لدينا مال مخصص لتغطية هذا الغرض. واتفقنا معهم وذكرناهم قبيل الرحلة وتواعدنا وعدا أكيدا. لكن عندما وصلنا ووقفنا على الحاجة للطعام واتصلنا بالسادة الذين كانوا قد وعدونا فوجدنا أنفسنا أمام المشهد الذي يعرفه جل المغاربة: اتصال هاتف لا يجاب عليه ولو للمرة الرابعة وفي المرة الخامسة كان الهاف مطفيا. وعند الإتصال بزميله تَنَكرَ هذا للوعد الأكيد ولم يُبدِ أي اهتمام وإنما قابَلَنا باعتذار بارد. وبما أننا أولاد الناضور فلم تكن لدينا معارف في الرباط ولا البيضاء نسألهم دَيْناً سريعاً لإنقاذِ ورطتنا. شباب وأطفال أوكلهم آباؤهم إلى أيدينا الأمينة وأكيد أنهم سيتواصلون معهم بمجرد أن تتاح لهم فرصة الواتساب. ورطةٌ سبَبُها ثِقَتُنا بِأُناسٍ ذَوي شأنٍ في مُؤسساتِ الدولة وفي الأوساط السياسية والإجتماعية والعلمية ونعرفهم شخصيا ويعرفون قدرهم العالي لَدَيْنا. يا لَيْتَنا لم نَتكِلْ عليهم قلنا عندها لكن لم تنفعنا هذه المقولة شيئا. ماذا بقي لنا أن نصنع؟ لم يعد لدي حِينَها سوى رقم هاتف السيد عبد الرحمن الزاهي. وكم استثفلت الإتصال به والساعةُ مساءٌ متأخر. وكم خِفتُ أن يعتذر هو الآخر. لكن لم أرَ لي بديلا فاتصلتُ به. ولم يُخَيبْ أملي. أجاب الهاتف كعادته بكل أدب وترحيب. وعندما سألته الطلب فكر هنيهة يسيرة فوجد الحل. اتصل بموظفيه وطلب منهم أن يأخذوا من مزانيات طعام المجموعت الأخرى أجزاء يسيرة ليكوِنوا ميزانية لمجموعة السيد مصطفى من فرانكفورت. فِكرةٌ ما أَيسَرَها. وقضاءٌ يكاد يُشْبِه أقضية الحكماء الذين نقرأ قصصهم في كتب السير. ومِن بينِ الإسهامات الثمينة التي لَباها السيد الزاهي بمؤسسته بِعثاتُ الأئمة والمُقرِئِين في شُهُورِ رمضان الكريم. ومن مميزات السيد الزاهي في هذا الإطار أنه كان دوما يُصِر على اختيار أَئِمة أفاضل مشهودٍ لهم بالعلم والخلق. فما طلبنا إليه أن يبعث أئمة إلى مساجد نعرفها إلا وجائنا أئمةٌ في مستوى راق من العطاء في العلم والتهَجُد وسرعة استئناس الجماعات إليهم. وليس السيد عبد الرحمن الزاهي وحده مَنْ أَثارَ إعجابنا في مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، بل حتى الموظفون الذين عرفناهم من طاقمه كالسادة المحترمين ياسر الزناتي وفؤاد بنمخلوف وإبراهيم عبار وغيرهم سِمَتُهُم البارزةُ هي التواضع والوقار ثم الوفاء والإنجاز والإحترافية وأحيانا حتى التفاني في عملعم. ففي إحدى الرحلات كان مُبَرمجاً أن يَعقِدَ أجد هؤلاء السادة جلسةَ حديثٍ ودردشة مع شبابنا إلا أنه أصيب بزُكامٍ صعبٍ كان الأولى من الناحية الطبية أن يرتاح في بيته ويتناول حساءَ دجاجٍ بلدي كَيْ يَصِح. لكنه أَصَر إلا أن يَفِيَ بِوعده فزارنا مُرْتَديا لباسَ الشِتاءِ في أُمسيةٍ دافئةٍ صيفية بامتياز وجلس إلى الشباب ليتجاذب معهم أطراف الحديث. هكذا عرفنا المؤسسة بأمنيها العام وموظفيها المسؤولين. كل هذا ولم يكن في العشرين عاما من التواصل والإنجاز بين المؤسسة وجمعيتنا أو أيٍ من أعضائها أيةُ مصلحةٍ شخصيةٍ أوعلاقة مالية أو طمع في درهم أو فلس. جَمَعَتْــنا بِهِم أهداف مشتركة وغِيرَة على أولادنا وأُخُوةُ خُلقٍ ودين. أما السيد عبد الرحمن الزاهي فَلِسَمْتِ الإحترام الذي يرتديه ولِاهتمامه وإنجازه وحضوره ونصيحتة فهو عندي شخصيا بِمَثابةِ الأب الوقور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.