تحية خالصةأخي الكريم د عبد القادر بيطار.
اسمح لي مع تقديري لمجال تخصصك العلمي وإلمامك المتميز بالعقيدة في شقها الأشعري خاصة، ومع بلائك البلاء الحسن فيما تنشره وما تعزز به مقالاتك العلمية فإنني أشتم دائما نوعا من الانتصار المصحوب بشيء من”الانحياز”غير المبرر لمنهج المغاربة وتماهيا مع ما ظل يررده بعض علماء المغرب الرسميون ومنهم شيخ وجدة. ولا يكاد التوجه العام عنده وعند وغيره ينصرف عن التبشير وتأييد النموذج المغربي في التدين خاصة حين الحديث عن البيعة والفتوى وإمارة المؤمنين وكأن الغرض- والله أعلم بما في الأنفس- التمكين للمنظور الديني المغربي فيما يعرف بتأهيل هذا الشأن الذي انطلق سنة2004.وليس أدري د عبد القادر، أيهما أنجع وأولى اليوم: هل الاستمرار في “المقاومة” لكل ما يخالف ثوابت المغاربة التي لا تخلو في بعض مضامينها من توظيف مقصود مفهوم لأبي الألباب لمقتضيات الإسلام استجابة للبعد السياسي المتواري؟ وكما يتجند بعض السياسيين لهذه المهمة غير السوية، ويروجون لها بدافع المصالح الضيقة، تكون الحاجة إلى بعض العلماء الرسميين أو ممن من المنتظر أن يكونوا كذلك مستقبلا لإضفاء الشرعية على تشوهات الشأن الديني بغطاء العلم الخائض في الثوابت من عقيدة وفقه مالكي وبيعة وغيرها. فهل هذه هي معركة حقيقية أو مصطنعة للإلهاء وصرف النظر عن مشكلات بنيوية تواجه الأمة وجاء الوباء ليعريَ حقيقتها ويكشف عورتها ويبرز حجم التقصير والإهمال وعدم المسؤولية التي ظلت الدولة تتخبط فيها وتصر على الاستمرار في تجاهلها؟.بالله عليك أخي عبد القادر: أي الأولويات التي ينبغي اليوم التصدي لها كل من موقعه والعلماء في طليعة من تلقى على عواتفهم مسؤولية البلاغ والبيان ليس في قضايا عفا عليها الزمن وظل الخلاف العلمي ثابتا من ثوابتها ومع ذلك لسنا في الواقع مطالبين بالخوض فيها ف”تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عنا كانوا يعملون” وأي فائدة كبرى في الحرص على “دحض “أدلة هؤلاء فيها و”الإقناع” بجدوى ما نعتقد أنه الأعلى والأنجع والأصوب، وحتى مع تحقيق”المبتغى” فما آثارها على واقع المسلم المتأزم اليوم، وأي فضل مادي أو معنوي يجنيه المسلم من هذا الجدال العلمي الذي لا يلفت إليه عامة الناس وبعض خاصتهم ممن وجهوا البوصلة إلى قضايا الوجود الإنساني الكبرى من قبيل الحرية والعدالة في التوزيع والتنديد بالظلم الاجتماعي والسياسي والفقر الاجتماعي والتفاوت الطبقي .نأمل أن ينصرف جهد علمائنا الرسميين والمستقلين إلى قضايا الأمة وهمومها، أما الجدال العلمي فمكانه منابر الجامعة وأروقة الملتقيات العلمية التي تخاطب أهل العلم من المتخصصين.
أخي الكريم:لا أخالك تخفى عليك أزمة الوباء التي لا يحبذ بعض مثقفينا أن يقروا بصلتها العقدية ومصدرية الوباء باعتباره قدرا إلهبا أيضا إلى جانب كونه وباء مرضيا.لقد استطاع الوباء بقدرة مرسله سبحانه أن يؤدب الناس تأديبا ساسة وشعوبا ،حكاما ونخبا ،علماء وعامة، لكن أعظم التأديب هو لهذا الإنسان الذي لا زال سادرا في الغي، ولا زال مستمرا على التمرد عن التعامل مع الوباء تعامل المؤمن المقدر لعظمة الخالق المنتقل لأوامره الوقاف عند حدوده وهذا بعد عقدي عظيم لو لفت علماؤنا نظر الناس إليه لكفى ، ولسلمت ذممهم أمام الله تعالى.كيف نفسر سكوت العلماء عن مواكبة ظروف الوباء وممارسة النصح للحكام ولفت أنظارهم إلى هذا المعطى؟ أهو الخوف على مكاسب الدنبا،أم هو النأي بالنفس عن “شبهات”النصح، أم هو الرضى والتماهي مع المقصود من دور العلماء الذي يراد حصره في فقه الفروع وإذا ما أُذن لهم الحديث، إنبروا يشنفون أسماعنا بالحديث عن الثوابت الأربعة التي عمّر الحديث عنها نحو ربع قرن. إن مسؤولية العلماء في البيان والنصح بمنأى عن مغريات المكاسب جسيمة وشأنها عظيم، فإن كانوا يعلمون ولا ينصحون فتلك تبعة كبرى لا ينجي منها يوم القيامة التذرعُ بدرء المفاسد أو جلب المصالح إلا بقدر النية الصادقة لصاحبها، أما ما عداها فالله أعلم بها وبصدق نوايا أصحابها.
أخيرا هذه وجهة نظر متواضعة تروم التذكير للنفس قبل الغير لاغتنام فرصة الحياة الدنيا بالوفاء بما ألهم الله به علماءنا وما ألبسهم من خير العلم، لعلهم يرتقون إلى مصاف من اصطفاهم الله تعالى بقوله تعالى:
“إنما يخشى الله من عباده العلماء”.
مخ خالص التقدير للأخ الكريم ودعائي لك بالتوفيق والسداد.