ابنة زايو وحيد الهام تكتب.. بمكتب الضمان

آخر تحديث : الأربعاء 10 يونيو 2020 - 7:29 مساءً
2020 06 09
2020 06 10

وحيد الهام

صفوف من الكراسي انتظمت بقلب صالة براح ، متقابلة مع أربعة مكاتب لا يشغلها سوى موظفان . ورؤوس تفاوتت تفاوت القامات ، واختلفت بين طرح نسائية ، وطواقي مسنين ، و قبعات شبابية.

وقد يسترعي سمعك خفق الأوراق بأيدينا ، لعلها تخفف الحر المتزايد بسبب الاكتظاظ الذي بدأ يحجب النور والهواء عند باب المدخل الوحيد لمكتب الضمان الاجتماعي ، لولا النسمات التي كان يجود بها علينا ذاك القلب الصغير كلما انفلت من يدي أمه ، وهو يختلس الخطوات ، ضاحكا ، يستفز الباب ” الأتوماتيكي ” المحتار بين انفتاح أوانغلاق ! والأرجل الصغيرة تخادعه في عزم على الخروج وعدول عنه …

الكل جلوس ، بوضعية صحية مستقيمة ، نتابع الشاشات المعلقة ، تتوالى عليها أرقام نابت عن الأسماء ؛ – هو نهج تتبعه الإدارات لتفادي الفوضى -، غير أنها لم تستطع ضمان الهدوء والصمت داخل القاعة ، إذ يضطر عاملا الأمن إلى تكرار قراءة الأرقام بصوت مرتفع ،فغالبية الحضور لا يعرفون القراءة ، بل ويجبران على التجوال بين الصفوف لتفسير ما استعصى فهمه على من لا يتكلم ولا يفهم إلا الأمازيغية. شاشات ، حواسيب ، كراسي ، وقصاصات اوراق تبصقها آلة بمكتب الاستقبال ، كلها جندت لتنظيمنا وترجمتنا أرقاما وملفات.

تعددت دوافع الحضور ، فهذا فريق يحمل وصفات طبية مرفوقة برزم من نشرات الأدوية وشرائح أثمنتها ، سعيا لضمان استرداد نسبة من تكاليف العلاج مهما غلت أو رخصت سيرا على مبدا ( نترة من الحلوف ) الذي بتنا نتبناه جميعنا إزاء الإدارات ! .

وذاك فريق قدم لمراقبة مدى وفاء مشغله لعهدة التصريح به لدى المكتب ، حتى يضمن مبلغا إما لمساعدته على التكيف مع المصاب إن قدر له حادث شغل ، وإما لمواساة ذويه إن رحل . فالشائع أن يسأل في عزاء الفقيد عما إن تأتت للأهل الاستفادة من صندوق الضمان ام لا.

يستمر الدبيب ، كل بدوره ، وعقارب الساعة تعبث بالزمن المسروق من أعمارنا. بعض الحضور ، يحاول كسر الملل بالخوض في حوار مع الجار، وقد يتجاوزه إلى سابع جار !

أو قد ينسيك أحدهم بعض الوقت فيطلب منك المساعدة في ملء الخانات على ورقته ! أما قليل الصبر ، فينسحب في ضجر رسم على الحاجب المرفوع ، ليعود يوما آخر فيعيد الكرة مرة أخرى لكن برقم جديد .

شيب وشباب ، في انتظار سماع رقم يمكنهم من التقدم درجة فالجلوس امام موظف يمنحه صكوك الضمان.

أما الموظفون ، فمنهم الصبور المتواضع ، يصغي إلى ” المواطن ” ، ويشرح لهذا ويعيد لذاك دونما كلل ، ومنهم المزاجي الذي سرعان ما يعلو صوته مناديا باسم أحد عاملي الأمن . هذان اللذان لا تلاحظ أنهما ركنا إلى كرسي لوهلة ، ينظمان حشد الحضور، يلبيان طلبات الموظفين من حمل الملفات او جلبها في صعود ونزول من وإلى الطابق العلوي ، و قلما تلمس العرفان والامتنان في لهجة مخاطبهما ، فهما رغم الدأب والتفاني ، أقل من ذاك المختبيء خلف الحاسوب رتبة وراتبا !…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات11 تعليق

  • طريقة سردك ووصفك للحدث جد سلسة وممتعة. وفقك الله اختي الغالية الهام. صديقتك المقربة نسرين

  • شكرا لكل من مر، فاهتمامكم شرف لي وفخر ، و لولا حبكم ودعمكم وتشجيعكم ما سال لقلمي حبر . بوركتم جميعا .

  • machae alah 3lik kheti mawdo3 fi lemostwa bitawfi9

    • رغم الملل واليأس الذي يسببه لنا الانتظار في مثل هذه المرافق الا انك وبطريقتك جعلته مسليا وممتعٱ
      قد ولدت الكلمات الرائعة معك ولن تذهب عنك مادمت حية وانا واثقة كل الثقة ان ابداعاتك لاحدود لها
      بت مدمنة على قراءة كتاباتك فلاتبخلي علينا
      وفقك الله ورعاك

  • ماشاء الله بوركت أختي ومسيرة موفقة
    كيف يمكنني التواصل معك على فكرة أنا من بنات مدينة زايو الحبيبة

  • طريقة رائعة في السرد تبعث الروح في الكلمات كما القارئ..مسيرة موفقة أختي.. لكن المشكل الكامن في النص أو القصة وربما يوافقني الرأي كل من قرأه هو أنه ينتهي بسرعة وليس هذا نقدا وإنما رغبة في المزيد. شكرا لك للجريدة المحترمة زايوسيتي

  • وحيد الهام
    بعفويتها وامتلاكها خيوط لعبة السرد القصصي جعلتني اسافر معها الى مكتب الضمان
    هنيئا لنا بالقاصة الواعدة
    بوركت و بوركت اناملك

  • لطالما كنت سفيرتنا في مختلف الادارات لقضاء مصالح تعسرت علينا وعلى غيرنا.تقبل الله منك اختي الهام هذا العمل النبيل، وضمن الله لك به مكانا في الجنة ان شاء الله. بالتوفيق.واصلي

    • أحسنت حبيبتي؛ لديك أسلوب خاص في سرد الوقائع، تجعلين قارئها يعيشها بكل جوارحه و يراها واضحة أمامه. بارك الله فيك ووفقك في حياتك.

  • ماشاء الله
    بوركت وبوركت أناملك أيتها الغالية

  • ككل مرة، وصف دقيق، أحسست عند قرائتي أنني واحدة من الجالسين.
    مسيرة موفقة أختي