نورالدين شوقي يكتب ..” عام الجوع في زايو “

آخر تحديث : الثلاثاء 2 يونيو 2020 - 2:02 مساءً
2020 06 01
2020 06 02

زايو سيتي نت – نورالدين شوقي

يعتبر الجفاف ظاهرة طبيعية توجد في مناطق معلومة بخصوصيتها الجغرافية وهي مرتبطة بأسباب كونية مناخية ،فالجفاف لا يرتبط بمناخ معين أو بمنطقة ما بل هو عبارة عن ظاهرة مناخية عامة تعرفها جميع أنواع المناخات ،لكن حدتها وترددها يختلف من مناخ إلى أخر ومن منطقة إلى أخرى ،فهو ظاهرة مركبة تتداخل وتتفاعل فيها كثير من العوامل لا تنحصر في الظروف الجوية فحسب بل تشمل أيظا البيئة الطبيعية والبيولوجية والبشرية (1)

مرت على المغرب عبر محطاته التاريخية ومساره الطويل العديد  من الأزمات الإجتماعية المرتبطة بالجفاف والمجاعات ساهمت فيه أسباب عديدة و عوامل مختلفة حركت في العمق البنيات الإقتصادية والإجتماعية و الديمغرافية للبلد.

وقد عرفت هاته المحطات التي عاشها المغاربة بتسميات مختلفة :كعام الجوع ،عام بوهيوف أو عام أَيَرْنِي

سنحاول من هذه الإطلالة المتواضعة أن نبحث على مرحلة معينة من تاريخ المجاعات التي عرفتها منطقة زايو والتي لم تسلم منها والمتزامنة مع فترة الحماية الإسبانية للمنطقة

كانت منطقة زايو والتابعة جغرافيا لمنطقة الريف الكبير ترزخ تحت الإحتلال الإسباني ،وكانت هذه القوة الإستعمارية تمارس سياسة الإستنزاف لثروات المنطقة حيث نهجت ساسية الإقطاع و توزيع  الأراضي الفلاحية المهمة على المعمرين وزادت حدتها بشكل قوي رغبة في تغطية نفاقتها الحربية المتراكمة من جراء هزائمها المتتالية في حربها على الريف

لقد تزامن هذا الحدث مع موجات الجفاف وبداية نقص كبير في التساقطات لم تشهد المنطقة مثيلا له وحالات القحط التي كانت تظرب المنطقة من كل جانب وبفترات متتالية ما أدى إلى إنخفاض الإنتاج بشكل مخيف وبالتالي دخول منطقة زايو والنواحي في موجة خطيرة من الجوع والموت

كانت سلطات الإحتلال تقسم المنطقة إلى جهات عسكرية تتمثل في تلك الجبلية وجهات أخرى مدنية حيث كانت الأولى تتميز بشدة مقاومتها للإستعمار والثانية خضعت بسهولة للإحتواء فهاته كانت تحضى بإهتمام  وتموين دائم عكس المناطق الجبلية والتي عرفت إنتقاما شديدا من القوات الإسبانية والمخزن على إعتبارها أنها عرفت أشد أنواع المقاومة ضدهم

تابع الجفاف و الإحتلال زحفهما وكان أثرهما قوي على البلاد والعباد وإتسعت رقعة المجاعة أودت بحياة الكثيرين، عانى خلالها أهل المنطقة والنواحي الجوع والقحط وكثر فيها المرض إلى درجة لا تطاق

حسب الأوصاف التي  توصلنا بها سواء ممن تعرضوا بالذكر للمجاعة أو ممن إستجوبناهم من الذين عاصروها فإنهم يجمعون على نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية والحبوب

أصبحت نبتة “أَيَرْني” رمز للجوع لدى أهل المنطقة حيث كانوا يقتلعون جذورها ويقومون بطبخها وتناولها كوجبة غذاء لمواجهة أثار الجوع السلبية رغم مرراة مذاقها ،كانت المجاعة أقوى مما عليه في المدن فٱضطر أهل البوادي لبيع أراضيهم بأثمنة قليلة أو تركها والهروب نحوها وقد نزحت أفواج كثيرة نحو مدينة زايو  كملاذ أخير للحصول على لقمة العيش

تميز المشهد كذلك بخروج الناس زرافات ،ينتشرون في البراري بحثا عن عساقيل البلوط وأكل الجراد والحلزون، إمتهن الناس حرفة تهريب السلع من مليلية نحو المناطق الخاظعة للحماية الفرنسية أنذاك ونهر ملوية شاهد على العديد من حالات الغرق هروبا من نقط التفتيش الحدودية خوفا من ضياع سلعهم والمتمثلة غالبا في الدقيق والسكر

لم تسلم الماشية والدواب من أثار الجفاف ،خاصة بعد نضوب مدخرات القمح والزرع من المطامير إلى جانب قلة المياه التي جفت منها الأبار والعيون ،فأصبح الناس ينتشرون بحثا عن عما يمكن أن ينقذهم من الهلاك

عرفت المنطقة إنخفاضا حادا في نسبة المياه وقد خلقت مشكلة كبيرة لسلطات الحماية فأصدرت قرارا بجر الماء من جبل سيدي عثمان وأنشأت حنفيتين واحدة خاصة لكبدانة في نفس الموقع وأخرى خاصة لأولاد ستوت قرب باشوية زايو حاليا وكانت معروفة بإسم “سبالة لعرب”

ويرى بعض المعاصرين للحدث أن هذه السياسة التي نهجها الإسبان ،أي سياسة عزل القبائل بعضها عن بعض كان ذالك مخافة منها أن يقوم أهل المنطقة بتعبئة الناس ضدها ومقاومتها،إلا أن البعض الاخر يرى عكس ذالك، هو لتفادي وقوع حرب أهلية بين القبيلتين للحساسية التاريخية التي كانت بينهما و يكون الماء سببها

حاولت السلطات الإسبانية والمخزن الحد من هذه الهجرة نحو مدينة زايو والعمل على التخفيف من أثار المجاعة وذالك بوضع برنامج إستعجالي لتوفير الغذاء للمحتاجين وعمدت إلى إعطاء وجبات شبه يومية قرب مقابرجبل سيدي عثمان حاليا، وقد دفنوا هناك بالعشرات ممن لقوا حتفهم جوعا دون كفنهم ومجهولي الهوية  وكانت هذه الوجبة معروفة خاصة عند الجائعين بإسم: “الرانشو”

ومن بعض الحكايات التي حكاها لنا بعض المعاصرين للأزمة أن عندما يحدث الخصاص في الوجبات كانت تطحن الحبوب وتقديمها مباشرة للجائعين دون تنقيتها من النخالة مما أدى إلى مقتل العديد من النائبين، والقائم على دفنهم ينال حقه مضاعفا حفاظا هو كذالك على حياته وسلامة عائلته من الموت جوعا طبعا

إن هذه الحقبة من تاريخ منطقتنا المأساوي قد خلف في الذاكرة الجماعية العديد من الصور المظلمة والتي لا نتمنى عودتها ،هي مظلمة حقا حتى على مستوى الأبحاث والدراسات الإجتماعية نظرا لشح التوثيق والتأريخ لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات18 تعليق

  • ارجو منكم البحث في حيثيات الاستلاء على الاراصي التابعة لدوار بني اوكيل وتخصيصها ضيعة فلاحية ومتى كان ذلك .

  • لقد نسيت هجرة الساكنة وخاصة اولاد ستوت نحو منطقة مداغ التي كانت خاضعة للحماية الفرنسية .

  • allah yahfadna man almajaa wayastarna nahno fi ramadan lam nasbar 3ala ajo3 wa kif isbro anass wa alakl ghayar mawjod ramadan mobark saiid alkol

  • merci pour ton article mes parent se souvient de ces années de misère de notre région je vous encourage pour écrire dans ce domaine historique. ce genre de recherche est trés interéssant surtout dans la région de grand rif si possible sans oublier les dates merci uma

  • كان هناك أحد القياد يدعى:القائد …. وكانت له مرتبة عليا في الجيش الإسباني وكان هو المسؤول على توزيع وجبات الرانشو كما قص لي جدي وعند إستقلال المغرب جردوه سكان كبدانة من لباسه العسكري الإسباني ولبسوا له أكياس مقطعة ويسخرون منه

  • أشكر الأخ نور الدين على هاته المعلومات المأساوية والفطرة التي عاشها أجدادنا وآباؤنا .
    ونطلب الله تعالى وتبارك أن لا يعيد مثل هاته الفترات الكارثية على جميع البشرية .
    حقيقة إن آبائنا وأجدادنا عاشوا فترة ما بين ١٩٣٩ إلى ١٩٤٥ كلها مجاعة ما بين الموت والحيات وذاقوا مرارة الجوع ، منهم من هاجر
    إلى الشرق حيث كان هناك الإحتلال الفرنسي ، ومنهم من غرق في مياه واد ملوية ومنهم من ذهب إلى إسبانيا كجندياً مع الجنرال فرانكوا حث كانت الحرب الأهلية تمزقها ، ومنهم من بقي في مخيمات الموت بجوار ظريح سيدي عثمان ينتظر رحمة الله وأغلبهم نساء وأطفال وشيوخ ،وكانت الموت تطحن العشرات في كل يوم ، وسبب ذلك عوامل كثيرة منها الجفاف لسنوات عدة ، ومنها الإستعمار الإسباني ، وقلة الوسائل من جميع جوانبها ٬ وختاماً دعائنا لله الواحد الأحد أن يحفظ بلدنا من الكوارث الطبيعية ، آمـــــــــــــــــــــــــــين يــــــــــارب العـــــــالمــين .

  • المجاعة سببها الرئيسي كان الحرب العالمية الثانية

  • 3afaak khiyii nourden .. 9a3lahal jou3 wart9allaa9 sa altiwtcha nshaellaah hh

  • أشكر صاحب المقال ،فالحقيقة أنا كإبن زايو أرى أن الموقع زايوسيتي يمثلنا فيه بعض الأخوة الذين يكتبون عن تاريخ منطقتنا والبحث فيها ، أما الباقية فأشكرهم لمساهماتهم الفكرية ،لكن ألا يوجد مواضيع خارج التيار المألوف… وشكرا

  • أشكر الأخ نور الدين شوقي على إثارته لهذه النقطة الحساسة جدا من تاريخنا الأسود الذي جار ظلما على أجدادنا. حقا أن أسلافنا عانوا كثيرا من هذه الحقبة الاستعمارية الظالمة. وجاءت فترة المجاعة التي لازال الكثير من أجدادنا يتذكرنها بحسرة وألم، خلال الحرب الأهلية الإسبانية حيث ذهب كثير من المغاربة ضحيتها بعد أن تجندوا قهرا بسبب هذه المجاعة في صفوف جيوش فرانكو. لأن هؤلاء المجندون لم يكن لهم خيار أمام شراسة الجوع للالتحاق بالتجنيد القسري مقابل بعض البسيطات لإعالة أفراد العائلة المعوزة.
    ودفع بعرمرم من جحافل أجدادنا البؤساء في معسكر الجياع في واد سيدي عثمان بالنقطة المقابلة حاليا على يسار خزان الماء التابع لم. و. ص. ش. زجزوا بهم هناك ليتخذو من الحفر بيوتا تقيهم قر البرد وحر الشمس, والتي لا زالت شاهدة إلى يومنا هذا. وينالون حصة لا تغني ولا تسمن من جوع من الرانشو وهو خليط من القطاني وبقايا الحوت والبطاطس…
    وأكدت شاهادات من الماضي أن الطامة الكبرى في تلك التراجيديا هو المشرفين على المعسكر الذين تم تعيينهم من أبناء المنطقة من طرف السلطات الاستعمارية. ونصبوهم مخازنية وقوادا عليهم ، كانوا يستغلون فاقتهم وحاجتهم يبتزوهم ليستولوا على حصة الأسد من ذلك الرانشو ليجلبوه إلى أهاليهم وذويهم علاوة على أساليب التنكيل والتحقير…وغيرها من من تصرفات الإهانة.

  • إعتمد الكاتب على الرويات الشفوية للمسنين الذين عاشوا في ذالك الحين فهو وصف لواقع معين و ليس بحث ميداني إعتمد فيه على أرشيفات ووثائق أما السنة فهي بدون شك 1945

  • الموضوع جميل لكن يفتقد الى التاطير الزمني و الدقة حيث تبقى معلوماته عامة وفضفاضة فمثلا لم ترد في الموضوع ولو سنة واحدة فزايو عرف عدة مجاعات في الثلا ثينات و الا ربعينيات فلا بد من التحديد الزمني الدي هو اساس الكتابة التاريخية

  • في عام الجوع لم تكن مدينة زايو في شكلها الذي نعرفه اليوم فقد كانت مجرد قلعة عسكرية وبعض المعمرين محيطون” بالقشلة” والباقي عبارة عن دواوير هنا وهناك ومنازل متفرقة فقد لجأ إليها اهل البوادي المتضررون من المجاعة لكون إسبانيا كانت تقدم بعض المعونات ،شكرا للأخ نورالدين إنها حقائق تاريخية حقيقية أما بالنسبة للأرقام فيصعب حتى على مستوى الدولة المغربية معرفتها والبحث يحتاج اللجوء إلى ارشيفات في الإدارة الإسبانية في مدريد

  • شكرا للأخ نورالدين على هذا البحث وعلى هذا المجهود فشكرا جزيلا لك ، لكن أخي نورالدين لسردك للموضوع فقد قمت بتقديم افكار عامة وفضفاضة دون أن تركز على مدينة زايو إلا في بعض النقط القليلة فكان بالأحرى لك ان تناقش جزئيات دقيقة لنستفيد جميعا بالرغم ان عنوانك هو عام الجوع في زايو لكن القارئ يتضح له أنه يقرأ عموميات فقط.وأستسمحك عذرا أخي نورالدين من هذه الملاحظات وشكرا لك على مجهودك

  • شكرا للأخ نورالدين على هذا البحث وعلى هذا المجهود ونتمنى البحث أكثر في كل ما يتعلق بذاكرتنا الجماعية لمدينة زايو ،تمنيت لو السلطات في زايو تساعد الشباب الباحثون بوثائق وأرشيفات لنفس الغرض ولكن مع كامل لأسف هي تتعمد عكس ذالك بل تمحي ذاكرتنا المشتركة في زايو

  • وهل نحسب انفسنا الان افضل حالا من ذاك الزمان ….فعلا من ملئت جرته نسي جرة جاره …بالنسبة لى فقط الحياء والخجل من يمنعنى من التسول ….

  • alah ehfd al mrrib mn ajoe…………….,,,,..,.,.,.,.,.,.

  • merci pour cette recherche très importante.. ce qui manque dans votre article ce sont les chiffres, c.a.d les années de la sechresse qu’a connue notre regions.
    merci