“التّعليم عن بعد؛ تدبيرٌ مرحليٌ، وليس خياراً تربوياً”.

آخر تحديث : الأحد 24 مايو 2020 - 10:49 مساءً
2020 05 24
2020 05 24
بقلم: عبد المجيد تنداوي.
بقلم: عبد المجيد تنداوي.

في ظل الأزمة التي يشهدها العالم بسبب انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد19)، وتفشّيها، والّتي أدّت إلى إعلان حالة الطوارئ الصّحية؛ فأغلقت الدّول حدودها، وأُغلقت بعدها المساجد، والمدارس، والمعاهد، والجامعات. لجأ المغرب، كغيره من الدّول التي اخترق هذا الوباء حدودها، إلى اتخاذ تدابير احترازية لمحاصرته، والحد من انتشاره.

فكان “التعليم عن بعد” إحدى تلك التّدابير المتّخذة من قبل الوزارة الوصيّة على القطاع، الذي رأت فيه بديلا ولو مرحليا، عن التّعليم الحضوري، حفظا لأنفس التلاميذ، وعدم تعرّض حياتهم للخطر، وضمانا للاستمرارية البيداغوجية.

هذا القرار – تعليق الدّروس الحضورية، واستبدالها بدروس عن بعد- أحدث ضجّة في أوساط الشّعب المغربي، فتضاربت الآراء والتعاليق، بين واصف للإجراء بكونه غير مسبوق، وثمّنه، ورحّب به بديلا ناجعا، وبين من رأى القرار متسرّعا وراءه ما وراءه، ورفض البديل الذي قدّمته الوزارة رفضا تاما، موعزين رفضهم إلى ما سيخلقه هذا البديل من ضرب واضح لمبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلّمين من أبناء هذا الوطن الحبيب.

وسأحاول في هذه الأسطر، أن أبسط وجهة نظري في الموضوع من خلال إثارة سؤال، ومحاولة الإجابة عنه. والسؤال الذي يتمخّض عمّا قيل من ردود أفعال حول هذا التّدبير المرحلي “التعليم عن بعد” هو: هل كان المغرب ممثّلا في وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني وتكوين الأطر والبحث العلمي، يراهن على استبدال التعليم الحضوري، بالتّعليم عن بعد؟

إن الارتباك الذي أحدثه هذا القرار داخل الوزارة، من خلال توالي البلاغات والمذكّرات…، وتأجيل العطلة الربيعية إلى وقت غير معلوم، يدلّ على أنّه تدبير احترازي فرضته المرحلة، بهدف إلزام المتعلّمين بيوتَهم، وعدم أخذ المسألة بمحمل الهزل، واعتبارها عطلة استثنائية.

هذا، وغيره إذن، كفيل بالإجابة عن السّؤال الذي طرحناه، ويِؤكد، بما لا يدع مجالا للشّك، بأنّ “التعليم عن بعد” لم يكن رهان الدّولة، ولا بديلا عن التّعليم الحضوري، وإنّما حملته سحابة الوباء معها مع ما حملته من مصائب، ومما يؤكّد هذا، أيضا، خروج وزير التربية الوطنية السّيد “سعيد أمزازي” بتصريح في مقابلة تليفزيونية له على إحدى القنوات المغربية، يؤكّد من خلالها؛ أنّ “التعليم عن بعد”، لا يمكن أن يكون بديلا للتعليم الحضوري بتاتا.

ومما يجعلنا نستبعد رهان الدّولة على “التّعليم عن بعد”، هو عدم استعدادها المادي، والغياب شبه التام لوسائل التكنولوجيا الحديثة في المؤسّسات التّعليمية لاستقبال هذا النّمط من التعليم واحتوائه، إذ اتّضح بالملموس ضعف الوزارة في كل ما يتعلق بهذا الجانب، وتقليدية القطاع على جميع الأصعدة والمستويات، وضعف الموارد الرقمية، وغياب التكوينات المخصّصة لهذا الجانب، وغياب شبه تام للموارد الرّقمية…

حتّى وإن سوّلت لنا أنفسنا اعتماد هذا اللّون التّعليمي الحديث، “التّعليم عن بعد”، فإن الإمكانيات المادية ستعوزنا في ذلك، وتحول دون تحقيقه، رغم أنّ هذا اللّون الّذي نعدّه حديثا ما هو إلاّ نموذج أصبح في الدّول المتقدّمة شبه متجاوز، أو نمطا عاديا من أنماط التّعليم الحديث؛ فقد ظهر بشكل رسمي سنة 1982م، عندما حاولت هيئة اليونسكو تفسير اسم الهيئة العلمية للتّربية بالمراسلة (ICCE) إلى اسم جديد هو الهيئة العالمية للتّربية عن بعد (ICCDE)، حسب ما جاء في كتاب: “التّعليم عن بعد والتّعليم المفتوح”. وإذا أردنا أن ندقّق أكثر، فإن هذا النّوع من التّعليم، قد كان ممارسة شائعة في أربعينيات القرن التّاسع عشر، رغم كونه كان بسيطا، وتقليديا، آنذاك، إلا أنّه كان بمثابة إرهاصات مهّدت لظهوره بالشّكل الّذي نراه عليه اليوم. فقد عبّروا عنه في تلك الفترة بمصطلحات كثيرة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر؛ “التعليم بالمراسلة”، و”التّعليم المفتوح”…

في مقابل هذا فإن هذه الأزمة كشفت جملة من الحقائق، وقدّمت إلينا الكثير من الدّروس. خاصة ما يتعلّق بالمسؤولية التي تحلّى بها رجال التّعليم ونساؤه، ونكران الذّات الذي أبانوا عنه خدمة لهذا الوطن، وأبناء شعبه، وانخراطهم الإيجابي في تقديم الدّروس عن بعد؛ رغم ضعف الامكانات…، إذ سرعان ما لبّى رجال التّعليم نداء الوطن، وانخرطوا في إنتاج الموارد الرّقمية، في المنازل لمن توفّرت لديه الإمكانية، أو بالتّنقل إلى العاصمة غير آبهين بخطورة الوضع.

بناءً على ما سبق، يمكن القول إنّ “التّعليم عن بعد” ما هو إلا تدبير من التّدابير المرحلية الّتي اتخذتها الدّولة لتدبير الأزمة التي تشهدها بسبب تفشّي “جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد19)”، ولم يكن خيارا تربويا سعت الدّولة إلى تنزيله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.