ابن زايو الدكتور محمــادي لغــزاوي يكتب ..الأمازيغية في هولندا: مقاربة سوسيولسانية (2)

آخر تحديث : الأحد 17 مايو 2020 - 1:08 صباحًا
2020 05 16
2020 05 17

الدكتور محمــادي لغــزاوي

1.1. الأمازيغية: عرض عام

تتكون اللغة الأمازيغية[1] من مجموعة من اللغات المتصلة و المتقاربة والتي تعتبر اللغة الأم لمجموعات متعددة و مختلفة بالخصوص في المغرب و الجزائر بالاضافة الى باقي دول شمال افريقيا. على وجه التقريب، يبلغ تعداد الناطقين بالأمازيغية ما بين 14 الى 25 مليون نسمة و في المغرب يمثل عدد السكان الناطقين بالأمازيغية حوالي 40 % (Chafiq, 2004). حسب التوزيع الجغرافي في المغرب يمكن تصنيف ثلاث لهجات أو لغات محلية وهي تاريفيت في الشمال، تامازيغت في الوسط و تاشلحيت في الجنوب. من الصعوبة بمكان تحديد تاريخ الأمازيغ بشكل دقيق نظرا لعدم توفر الوثائق التاريخية و المراجع المتوفرة حول الحضارة الأمازيغية لا تتعدى بعض الأعلام و المواقع الجغرافية. وغياب التأريخ هذا يرجع بالأساس الى كون  اللغة الأمازيغية تعتمد، و لا زالت، على الموروث الشفهي وتنعدم فيها الثقافة المكتوبة.

خلال العقود الأخيرة برزت رغبة قوية لدى بعض الباحثين و المثقفين الأمازيغ لوضع معايير و أنساق لتوحيد مختلف اللهجات وتقعيدها لخلق لغة أمازيغية موحدة و قوية. على مر القرون، تميزت اللغة و الحضارة الأمازيغيتين بفترات مد و جزر. فمن جهة عرفت اللغة الأمازيغية فترات الازدهار حيث كانت تدون كتابة. وفي أحايين كثيرة تم تعطيل هذا الانتعاش بسبب الاجتياحات الاجنبية المتكررة التي كان يتعرض لها السكان الأمازيغ. في البداية كانت تكتب الأمازيغية بخط ثيفيناغ الذي لا زال يعتمد من طرف الطوارق في النيجر مثلا. كما كانت تكتب الأمازيغية أيضا بالخط العربي خصوصا في منطقة سوس المغربية. في الوقت الحاضر يستعمل أيضا الحرف اللاتيني لأسباب عملية و لتعميم و تسهيل قراءتها حتى لغير الناطقين بها.

تنتمي اللغة الأمازيغية الى عائلة اللغات الأفرو- اسيوية و بالتحديد اللغات الحامية السامية. وعلى الرغم من مختلف أشكال الاتصال و الاحتكاك بين اللغتين الأمازيغية و العربية على مر القرون فان علاقة التأثير و التأثر بين اللغتين لا زالت محدودة.

في سياق الهجرة، من أهم الاختلافات بين الأمازيغية و الهولندية هناك التباين في ترتيب الكلمات (word order)، نظام الإشارة إلى الزمان و المكان (time-space reference)، المنظومة الفعلية (الزمان و صيغة الفعل)(tense and aspect)  و تركيب الجمل و غيرها. على سبيل المثال، الترتيب المتداول أو المتعارف عليه في الأمازيغية هو الفعل و الفاعل ثم المفعول (VSO) مع أن هذا الترتيب قابل للتغيير، في حين تعتمد الهولندية على ترتيب واحد و هو الفاعل و الفعل ثم المفعول (SVO) . علاوة على ذلك، يستغنى في الأمازيغية عن الضمائر في كثير من السياقات في حين تعتبر إلزامية عند الهولندية، وهذه الظاهرة تسمى في اللسانيات ب: pro-drop، وتميز الكثير من اللغات كالاسبانية، الايطالية والبرتغالية.

  1. وضعية الناطقين بالأمازيغية في هولندا

إن التعددية اللغوية و التعددية الثقافية، التي يتميز بهما المجتمع الهولندي، ليست بظواهر وليدة اللحظة. فلقد شهدت هولندا موجات عديدة من الهجرة منذ القرن السابع عشر و الذي يسمى أيضا بالقرن الذهبي نظرا للازدهار الاقتصادي الذي شهدته البلاد آنذاك. في هذه الحقبة كان حوالي 10 بالمائة من مجموع سكان هولندا من أصل أجنبي. منذئذ، أصبحت الهجرة إلى الأراضي المنخفضة خاضعة لعوامل  سياسية و اقتصادية (.(Laghzaoui, 2005

في ستينيات القرن الماضي، و مع تنامي الحاجة إلى العمال، بدأ المشغلون في هولندا كما في باقي دول أوربا الغربية في البحث عن يد عاملة رخيصة من الدول النامية لمباشرة أعمال لا تتطلب مهارات ذهنية أو مؤهلات علمية. لقد تم جلب هؤلاء العمال الضيوف لممارسة أعمال مؤقتة على أساس عودتهم إلى البلدان الأصلية مع انتهاء عقود التشغيل. لكن و على الرغم من كل التوقعات أصبحت إقامة هؤلاء العمال إقامة رسمية مع مر السنين. (1982) Amersfoort يصف هذه الظاهرة كالآتي:

الدول الأوروبية المضيفة كانت تحتاج إلى يد عاملة و كانت تفترض أنها ستجني أرباحا اقتصادية بجلبها لعمال أجانب، و في الوقت نفسه تطويق العواقب الاجتماعية و الثقافية و السياسية بجلب هذه الأقليات الأجنبية داخل حدودها إلى الحد الأدنى.”

فيما يلي، سنتطرق إلى بعض خصائص الجالية المغربية الأمازيغية من منظور ديمغرافي و تربوي إضافة إلى وضعية هذه الجالية في سوق العمل.

1.2. معطيات ديمغرافية

كما سلف الذكر، تم استقدام العمال المغاربة كباقي الجنسيات الأخرى لمزاولة أشغال مؤقتة على أساس العودة الى بلدانهم الأصلية. لكن في سبعينيات و ثمانينيات القرن العشرين قام هؤلاء المغاربة بجلب زوجاتهم و أبنائهم في إطار ما صار يعرف بالتجمع العائلي. و نتيجة تزايد عدد الولادات أصبحت الجالية المغربية من أكبر المجموعات الاثنية داخل المجتمع الهولندي. تتميز التركيبة السوسيوـ لغوية للمغاربة في بلدهم الأصلي بالتعقيد، و هذا يتجلى أيضا داخل الجالية التي تعيش في المهجر. ما يقارب 70 بالمائة من المغاربة المقيمين في هولندا ينحدرون من شمال المغرب و يتحدثون الأمازيغية الريفية كلغة أم ((Obdeijn, et al, 1999. البقية من المغاربة ينحدرون من المدن الكبرى كطنجة و الرباط و الدار البيضاء و وجدة. استقر أغلب المغاربة في  المدن الهولندية  الكبرى حيث فرص الشغل أوفر. منذ 1970، تسارع نمو عدد المغاربة بشكل كبير وملفت. ففي سنة 1971، كان مجموع عدد المغاربة في هولندا يقدر ب 22.000 نسمة، و في سنة 1987 بلغ عددهم حوالي 130.000 نسمة خصوصا نتيجة التجمع العائلي. في 2007، بلغ العدد الرسمي للمغاربة في هولندا 329.493 نسمة، في حين ارتفع مجموع عدد المغاربة في هولندا الى 402.492 نسمة سنة 2019 (CBS, 2019).

جدير بالإشارة في هذا المقام أنه ليس من السهل الحصول على أرقام دقيقة لعدد سكان المغاربة في هولندا. في الماضي، كان “بلد الولادة” و “الجنسية” من أهم المعايير المعتمدة لجمع معلومات وإحصاء عدد الأقليات في هولندا. المعيار الأول يبدو في الوهلة الأولى موضوعي و سهل التحديد غير أنه يمكن استعماله فقط في أوساط الجيل الأول و لا ينطبق على الجيلين الثاني و الثالث اللذين تعتبر هولندا بالنسبة لهما “بلد الولادة”. المعيار الثاني “الجنسية” يتسم أيضا بعدم الفعالية بسبب ظاهرة التجنيس و الجنسية المزدوجة التي تؤدي إلى تقليص مجموع عدد الأقليات في الحالات التي يتم اعتبارهم هولنديون. كل هذه العوامل دفعت خبراء الإحصاء إلى إيجاد بدائل فعالة و دقيقة لإحصاء عدد أفراد الأقليات. لقد تم اقتراح حلول أخرى من قبيل التصنيف الذاتي[2] (إلى أي مجموعة اثنية تنتمي؟) و اللغة المستعملة داخل البيت (ماهي اللغة/اللغات التي تستعمل في البيت ما عدا الهولندية؟) (Broeder & Extra, 1999). هذه المقاييس الجديدة أصبحت تعتمد في البلدان  ذات التاريخ الغني بالهجرة و تعدد الأقليات العرقية كالولايات المتحدة الأمريكية، كندا وأستراليا. فيما يتعلق بهولندا، لا زال يتم اعتماد المعيارين الأولين لإحصاء عدد المغاربة المقيمين لأن المقياسين الأخيرين لم يخضعا للاختبار بعد. لهذه الاعتبارات، لن اعتمد كثيرا على الارقام الحديثة نظرا “لذوبان” الجنسية المغربية بسبب ازدواج الجنسية.

اذا اعتبرنا مجموع سكان الأقليات في هولندا بما فيها المغاربة و مقارنة مع السكان الأصليين، فان اللافت للنظر هو نسبة النمو السريعة لدى الأقليات مقارنة مع سكان هولندا الأصليين. ففي سنة 1996 كان مجموع سكان هولندا 12.995.174 نسمة وفي سنة 2019 بلغ 13.196.025 نسمة. في المقابل، كان مجموع سكان الجالية المغربية في سنة 1996 حوالي 225.088 نسمة في حين بلغ هذا العدد 402.492 نسمة في سنة 2019. تظهر هذه الأرقام أن مجموع سكان هولندا قد تزايد بنسبة 1,5 في المائة فقط، في حين أن عدد السكان من أصل مغربي قد نمى بنسبة أعلى تقدر بـ 78,8 في المائة في المدة المتراوحة بين سنة 1996 و2019.

الجانب الأخر الذي يميز الجالية المغربية عن السكان الأصليين هو توزيع الطبقات العمرية. فمعظم الجالية المغربية تتألف من طبقة عمرية لا تتجاوز 45 سنة، في حين أن السكان الأصليين يتوزعون خصوصا في الطبقة العمرية 40 سنة فما فوق (Roelandt et al, 1993).

2.2. وضعية الجالية المغربية الأمازيغية في التعليم الهولندي

إن معظم المغاربة الذين وفدوا على هولندا في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي لم يتلقوا أدنى تعليم في بلدهم الأصلي و جل هؤلاء ينحدرون من منطقة الريف المغربية كما سبقت الإشارة إلى ذلك. تعرف هذه المنطقة الشمالية من المغرب نسبة عالية من الأمية في أوساط السكان (Laghzaoui, 2005). لكن ومع استقدام هؤلاء العمال لأسرهم، أصبح الأطفال يذهبون إلى المدارس بكثافة وذلك لسببين. السبب الأول يرجع إلى إجبارية التعليم في هولندا، أما الثاني فمن أجل الرفع من فرص الشغل في المستقبل. نظرا لكون المؤسسات التعليمية أحادية اللغة فإنها لم تكن مهيأة بالمرة لاستيعاب هذه الظاهرة الجديدة المتمثلة في أطفال يحملون موروثا ثقافيا ولغويا يختلف عن الثقافة و اللغة المحليتين. لهذا تم اتخاذ تدابير جديدة للتعامل مع هذه الوضعية الجديدة. ومن جملة هذه التدابير توفير دروس في اللغة الأم للأطفال المغاربة.

لقد أظهرت مختلف الدراسات أن الأطفال المغاربة يعانون من ضعف و تأخر على مستوى النتائج المدرسية (Tesser & Iedema, 2001). إلى جانب هذا، فمعظم هؤلاء الأطفال يتابعون دروسهم في مدارس التكوين المهني التي لا تؤدي إلى التعليم العالي كما تتفشى ظاهرة الهدر المدرسي (drop-out) في أوساط هؤلاء التلاميذ (أي الانقطاع عن الدراسة قبل السن القانوني و دون الحصول على أي شواهد مؤهلة إلى سوق العمل).

على ضوء نتائج الأبحاث الميدانية في هولندا تبين أن مختلف العوامل تساهم في النتائج غير المرضية التي يحصل عليها التلاميذ المغاربة. من جملة هذه العوامل نذكر: خصائص الطفل الفردية وأصله، مدة إقامته بهولندا، مستوى تمكنه من اللغة الهولندية، المستوى التعليمي للوالدين والمحيط العائلي بالإضافة إلى نوعية المدرسة والمعلمين (Penninx et al, 1998).

لكن وعلى الرغم من هذا فهناك تحول ايجابي كشفت عنه بعض التقارير الحديثة حول مشاركة المغاربة ونتائجهم في المؤسسات التعليمية الهولندية. حسب الأرقام الرسمية المتعلقة بالتعليم العالي لسنة 1996، فان 620 طالبا مغربيا كان مسجلا في المعاهد العليا و290 طالبا في التعليم الجامعي. أما في سنة 2006، فان 2900 طالبا مغربيا أصبح مسجلا في أحد المعاهد العليا و 1020 طالبا في أحدى الجامعات. هذا يعني أنه تم تسجيل تزايد بنسبة 67.7% على مستوى المعاهد العليا و51.7% على مستوى الجامعات وذلك بين سنوات 1996 و2006 (CBS, 2006). وقد أظهرت أحدث الاحصائيات لسنة 2019 أن العدد الاجمالي للطلبة المغاربة في المعاهد العليا والجامعات قد وصل 60.000 (CBS, 2019).

3.2. وضعية الجالية الأمازيغية في سوق العمل

في مذكرة الأقليات التي صدرت سنة 1983، قدمت الحكومة الهولندية مختلف المقترحات للرفع من المستوى الاجتماعي للأقليات وكذا المساهمة في إدماجها داخل المجتمع المضيف. من أهم هذه المقترحات، تم التركيز على محاربة كل أنواع التخلف الاجتماعي والاقتصادي في أوساط الأقليات و العمل على إشراكها في سوق العمل.

وضعية الأقليات العرقية، والجالية المغربية على الخصوص، داخل سوق العمل لا تبعث على الارتياح مقارنة مع السكان الأصليين والسبب في ذلك راجع إلى النتائج المدرسية الغير المرضية كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فإلى حدود أواخر السبعينيات من القرن المنصرم، لم تشهد الجالية المغربية ارتفاعا في نسبة البطالة كما تشهده اليوم لأن الاقتصاد الهولندي كان في حاجة إلى شغيلة غير مؤهلة علميا. في المقابل، تضاعفت نسبة البطالة داخل أوساط المغاربة بشكل مقلق في العقود الأخيرة. ففي سنة 2005، قدر عدد الهولنديين العاطلين بحوالي 313.000 شخص (أي ما يقارب 5.2% من مجموع عدد السكان النشيطين). في نفس السنة، بلغ عدد المغاربة العاطلين عن العمل 20.000، أي 19.9% من مجموع الأفراد النشيطين داخل هذه المجموعة (CBS, 2006). وحسب الارقام التي نشرها المكتب المركزي للاحصاء سنة 2017 فلا تزال هناك فوارق بين الافراد من اصول مغربية و السكان الأصليين فيما يتعلق بالبطالة والمشاركة في سوق العمل. لكن تجدر الاشارة أنه تم تسجيل انخفاض ملحوظ في نسبة البطالة لدى المغاربة في سنة 2017 حيث سجلت 11 % مقارنة مع 16 % في سنة   2005.

———————————-

[1] في الكثير من الأبحاث المتعلقة بالأمازيغية، سواء في بعض الدول العربية أو في الغرب، يتم استعمال مصطلح البربرية بدل الأمازيغية. في هذا المقال نستعمل مصطلح الأمازيغية لكونه الأقرب من التسمية المتداولة بين الناطقين بهذه اللغة، بالإضافة إلى أنه يتميز بنوع من الحياد و لا يحمل دلالات سلبية.

[2] Self-categorization

يتبع

رابط الجزء الأول 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.