نقطة ضوء في نفق مظلم

آخر تحديث : الخميس 19 مارس 2020 - 7:29 مساءً
2020 03 19
2020 03 19
   كمال الدين رحموني
كمال الدين رحموني

تعددت النعوتُ، والدّاء واحد، “فيروس”، وباء، جائحة…..

وكما تنوعّت الأسماء، تعدّدت الفُهوم:

هل هو وباء مرضي ناشئ من تلقاء نفسه، أم هو عقاب إلهي؟ أهو تحدٍّ لعقل “مُتألّه”، أم هو تنبيهٌ لِفكر مُمعِن في الصدّود؟ أم هو تدبير بشري متلهّف من أجل مكاسب مادية صرفة؟ ومهما تباينت المسميات، وتمايزت التداعيات، واختلفت التفاعلات مع الطارق الطارئ، ونعوذ بالله من” شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إلاَّ طَارِقاً يَطْرُقُ بِخَيْرٍ”.

مع كل ذلك، يظل الإنسان مُجبرا غيرَ مُختار، لــخوض “مواجهة” غير متكافئة، من حيثُ درجةُ الخطورة، وحجمُ الوسائل والإمكانات، وطبيعةُ الوعي البشري المطلوبِ في مثل هذه الطوارئ. لا ندري بأي المرجِّحات نتشبث للحسم في تحديد طبيعة الوباء ومصدره، فَلِكُـلٍّ منا ” وجِهْةٌ هُوَ مُوَلّيها”، لكنّ الأملَ في الالتزام بالتوجيه الرباني “فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ “. والمقصود امتلاك رؤية متوازنة، يتأسس عليها أيُّ فعل، وتقوم عليها كلُّ حركة في التفاعل مع هذا الطارئ. وإنّ المتابع لواقع الناس في هذه الأيام، يمكن أن يرصد صورة مصغَّرة، لطبيعة التفاعل والتعاطي مع هذا” الوافد” المقلق. وللناس معه مذاهبُ وروايات وأخبار وأحوال. لكنّ المهمّ في مثل هذه الأحوال الطارئة، الإمساكُ بنقطة الضوء التي تكاد تُغشّيها القَتامة، بشيوع الفزع والهلع، والجزع، وهي صفات فطرية في الإنسان بالنص، قبل أن يدركها العقل ويعيشها الحسّ، ومَنْ أبى الاقتناعَ والتسليم، فَنَظْرةٌ خاطفة إلى ردة الفعل العالمية، والوطنية والمحلية، تُغني وتكفي. وكما قيل : ” كم من محنة في طيّها منحة”، وقبل هذا يُطِلُّ الهُدى الرباني الذي ظل يُجوب الآفاق، ويُتلى بالعشيِّ والإشراق: ” لَا تَحْسِبُوهُ شَرًّا لَكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ” ، ” وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ “.

لماذ استدعاءُ هذين النصّين في هذه الظرف العصيب؟ أهُو دغدغة للعواطف المُرهَفة، أم هو استغفال للعقول الناضجة، أم هو تجاوز للأسباب المعتبرة؟ أم ماذا..؟ لقد أظهرت أيام قليلة، منذ ظهور الوباء، أن الأمر جِدٌّ ليس بالهزل، وأنّ التعبئة التي اتخذتها الأطراف جميعُها: دولةً، ومؤسساتٍ، ومجموعاتٍ إلكترونية، وفعالياتٍ مدنية، ورجالَ أعمال، وأفراداً ذاتيين. كلُّ هذه التعبئة، تعزز التوجه بأن الوباء الطارئ، كما استطاع -بطبيعة تكوينه وحجم خطورته،- أن يزلزلَ وضعا اقتصاديا عالميا قويا، ويخلخلَ بنيةَ مجتمعاتٍ متطورة ونامية، ويأتيَ على أرواح بشرية، كذلك كان سببا في التئام عقول نيّرة، وقلوب مُحِبّة، وتحفيزِ هِمم وإرادات خيِّرة، ورصدِ وسائلَ وإمكاناتٍ مُقَدَّرَة، من أجل هدف نبيل: عنوانه العريض: الاستباقُ إلى الخيرات. وقلّما يحصل هذا التضامن القوي، والتعاون الجليّ، ولو لم يكن من فضل في هذا الوباء، سوى أن يتداعى الناس إلى فعل الخير، لكفى، فأحرى أنه كان سببا في تعبئة البشرية بعفوية باهرة، برغم مساحاتها الجغرافية المتباعدة ، وولاءاتها الثقافية المتناقضة، لمواجهة وباء ليس له جنسية قُطرية، أو هُوية جغرافية، إنما هويته “القاصمة”: إذايةُ الإنسان، وتهديدُ وجوده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.