“إمرابضَنْ”بالناظور .. معلمة تفوح بعبق التاريخ الإسلامي منذ سبعة قرون

آخر تحديث : الإثنين 24 فبراير 2020 - 11:27 مساءً
2020 02 24
2020 02 24

عبد الكريم هرواش من النّاظور

في أحضان جبل بني شيكر الذي يبعد عن مدينة النّاظور بحوالي 20 كيلومترا، يقبع مسجد “إِمرابضن” صامدًا في وجه مرور سبعة قرون على بنائه بمبادرة فردية من سكّان المنطقة، ليكون من بين أوائل المساجد التي بُنيت على مستوى إقليم الناظور في زمن تعاقب الدّول الإسلامية بالمغرب.

مسجد بسيط على مساحة صغيرة، تم بناؤه وفقَ الهندسة الموريسكية الأندلسية على مستوى الأعمدة المربّعة والأقواس الدّائرية والنّوافذ الخشبية المستطيلة والمحراب المتواضع الذي يحتوي على ثلاث درجات ومكان لجلوس الإمام؛ كلّ هذه الأشياء ظلّت صامدةً تفوح بعبق التّاريخ الإسلامي بمنطقة الرّيف. تسمية “إمرابضن”

كان قد مرّ زمن طويل على سقوط دولة المرابطين بالمغرب، لكن هذه التّسمية ظلّت عالقة جدًّا في أذهان المغاربة، واكتسى المصطلح في العاطفة الدّينية للرّيفيّين حمولة مقدّسة، فأطلقوا على عددٍ من المساجد وأماكن العبادة اسم “أمْرابَضْ”، ويسمّى الضّريح إلى حدّ الآن في اللهجة الرّيفية بهذا الاسم، والأولياءُ بـ”إمرابْضن”.

أطلق الرّيفيون اسم “إمرابضنْ” على هذا المسجد التّاريخي في زمن سيادة الدّولة المرينية. الاسم قد يكون مستلهمًا من تسمية الوادي الذي يقع المسجد على ضفافه بمنطقة بني شيكر، غير أنّ الحمولة الدّينية حاضرة هي الأخرى أخذا بعين الاعتبار السبب المذكور أعلاه، خاصّة وأن سكان المنطقة لم يختاروا “إمرابضنْ” اسمًا للمسجد في البداية.

يقول عمر بوزيد، عضو في جمعية إمرابضن لتنمية جماعة بني شيكر: “أطلق أجدادنا بدايةً اسم تكلمامين على المسجد، لكنّه اشتهر باسم إمرابضن عند القبائل المجاورة جميعها نظرًا إلى ما يرمز إليه هذا الاسم من طابع دينيّ، وسُجّل المسجد لدى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خلال عهد الاستعمار باسم عين سعود، أخذًا بواقعة حفر أحد السكان لعين ماء في المكان ذاته أُطلق عليها الاسم نفسه”.

“إمرابضنْ” ثاني أقدم مسجد بالنّاظور يقول جمال بوطيبي، باحث مهتمّ بتاريخ المنطقة: “يُعد مسجد مولاي إدريس بمنطقة مزّوجة ببني أنصار أوّل مسجدٍ تاريخيّ بُني بإقليم النّاظور، ويأتي في المرتبة الثّانية مسجد إمرابضنْ، ويليه مسجد شعالة، ثمّ زاوية الشيخ البغدادي بأغيل أمدغار بني سيدال الجبل”.

ويضيف أنّ “أوّل مسجد حصل على ترخيص إقامة خطبة الجمعة هو مسجد مولاي إدريس، ثم بعد ذلك مسجد إمرابضن. وكان الدّين الإسلامي يعرف انتشارًا في منطقة الرّيف، وكلّما انتشر أكثر استوجب ذلك بناء مساجد لإقامة الصّلاة، لذلك كانت المناطق التي بنت مساجد لها سبّاقة إلى اعتناق الإسلام وتأدية فرائضه”.

مهامّ المسجد يقول بوزيد: “لم يقتصر المسجد على إقامة فرائض الصّلاة وإلقاء الخطب الدّينية، بل أنيطت به مهامّ أخرى من أبرزها أنّه كان يحتوي على خزانةٍ لحفظ مختلف الوثائق المهمّة للسكّان، فالمسافرون مثلا أو الذاهبون إلى الحج، وكان ذلك يقتضي وقتا طويلا آنذاك، كانوا يضعون وثائقهم المهمّة في خزانة حافظة في المسجد لا يملك مفتاحها إلا مْقدّم المسجد”.

وإضافة إلى ذلك، يتابع بوزيد، “تولّى المسجدُ إقامة القضاء في المنازعات والمخاصمات، وكانت تقام هذه الجلسات القضائية يوم الجمعة صباحًا قبيل الصّلاة، ويتولّى إمام المسجد وشيخ القبيلة، بمساعدة السكّان، البت في القضايا والمشاكل بشكل عادل ووفق ما تقتضي الأعراف المعمول بها. وإذا لم تحل القضايا، تتمّ إحالتها مباشرة على مجلس القضاء ببني شيكر”.

التّرميم بديلًا للهدم فكرة هدم هذا المسجد التّاريخي راودت نفوسَ السكّان المحليّين أكثر من مرّة، نظرا لتآكل جدرانه وتسرّب المياه إلى داخله وعدم صلاحيته لإقامة الصلاة، وكذا لتوفير المساحة لبناء مسجد جديد يستجيب للمواصفات العصرية، غير أنّ بعض الغيورين على التّراث التّاريخي بالمنطقة، وحفاظًا على إرث الأجداد، طرحوا فكرة التّرميم بديلًا للهدم، وتخصيص مساحة قريبة لبناء مسجد آخر لإقامة الصّلاة.

وهكذا، تمّ بناء مسجد جديد لصيق بمسجد “إمرابضنْ”، فيما شملت أشغال التّرميم والصّيانة والتّعديل هذه البناية التّاريخية لتستأنف صمودها في وجه التّاريخ.

يقول بوزيد: “بعد أن هاجر عدد من سكّان المنطقة إلى المدينة وإلى خارج أرض الوطن، أصبحَ المسجد مهمّشًا ومهملًا، وهكذا بادر البعض إلى طرح فكرة هدمه، لكنّني عارضتُ الفكرة بدايةً ثم تبعني آخرون باعتبار أن المسجد بناية تاريخية من واجبنا الحفاظ عليها وترميمها”.

معلمة تاريخية مُوَرَّثة للأجيال يحكي بوزيد قائلا: “كان للمسجد دور كبير في نشر الدّعوة المحمّدية في المناطق المجاورة، وكان يُعدّ مركزًا دينيا كبيرا لحفظ القرآن الكريم والتّعاليم الدّينية وإقامة القضاء، لذلك لم نستسغ فكرة هدمه وطيّه في أعماق النّسيان كأنّه لم يكن”.

“إنّ إبقاءنا على بناية المسجد نابع من رغبتنا في الحفاظ على هذه المعلمة التّاريخية، وتوريثها للأجيال القادمة كما حفظها أجدادنا الذين كانوا قبلنا وورّثوها لنا”، يضيف بوزيد. ويختم المتحدث قائلا: “إنّ المعالم التّاريخية رموزٌ ثقافية وإرث حضاري من واجبنا الحفاظ عليه، فالجميع لن يستسيغ مثلا هدم صومعة حسّان بالرّباط التي ترمز إلى حضارة إسلامية تشكّل كنزًا تاريخيًا صامدا للدّولة المغربية، وكذلك مسجد الكتبيّة بمرّاكش وجامع القرويّين بفاس”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.