مول “الشفوي”

آخر تحديث : السبت 7 ديسمبر 2019 - 9:17 مساءً
2019 12 07
2019 12 07
عزيز لعويسي
عزيز لعويسي

جرت العادة في ثقافتنا الشعبية ووعينا الجماعي أن ننعت الناس بما يمارسونه من حرف أو مهن، ففي مجال الخضر والفواكه مثلا نقول “مول الخضرة” و”مول الحوت” و”مول الدجاج” و”مول لحم الراس”…، وفي عالم المأكولات نقول “مول الشوا” و”مول بوبوش” و”مول التقلية” و”مول الصوصيص” و”مول الحريرة”، وفي عالم الانتخابات نقول “مول الشكارة” ومول “الحبة”، توصيفات وألقاب امتدت إلى مهن ووظائف بعينها، من قبيل “مول الضو” و”مول الضريبة”، مرورا بـ “مول الدار” و”مول الكراء”، وانتهاء بـ”مول الزريعة” و”مول النعناع” و”مول الشفنج” و”مول المسمن” و”مول الزرع”، وغير ذلك من التوصيفات التي تتعدد بتعدد الحرف والمهن والأنشطة، والتي امتد صداها حتى حقل التعليم، فنقول مثلا “مول العربية” و”مول الاجتماعيات” و”مول الماط” و”مول الفرنسية”…

توصيفات وألقاب وجدت مسالك معبدة نحو “العالم الافتراضي”، عاكسة كالمرآة “كائنات رقمية” أو “افتراضية” انتشرت كالفطريات، مستغلة ما يعتري هذا العالم الأزرق من مشاهد الفوضى الناعمة والعبث والتهور… “كائنات افتراضية” تبدو كشيوخ الزوايا الذين يمتلكون وحدهم-دون غيرهم-الحكمة والحقيقة والوعي والإدراك، وبعضهم لا يجد حرجا في توزيع صكوك السب والإهانة والتحقير والإساءة للأشخاص والمؤسسات، عبر إنتاج ونشر “فيديوهات” غير بريئة…

في هذا الصدد، بقدر ما نؤكد قدسية حرية التعبير وإبداء الرأي والموقف، بقدر ما ندين بشدة كل التصرفات والممارسات غير المسؤولة الفاقدة للبوصلة وغير محسوبة العواقب، التي من شأنها المساس بكرامة وسمعة الغير، كما ندين أي شخص خرج عن جادة القانون والضوابط القيمية والأخلاقية لإبداء رأي أو موقف باسم باقي المواطنين أو باسم الشعب أو باسم الوطن… فالركوب على الشعب أو الوطن لتمرير مواقف أو خطابات من وراء حجاب، أو لتحقيق مكاسب واضحة المعالم أو مستترة، هو ممارسة ليست فقط مجانبة للصواب، ولكنه فعل يكرس ما أضحى يعتري مجتمعنا من مشاهد العبث والتهور، ويغذي نعرات الخلاف والصدام…

خدمة الصالح العام أو الإسهام في رقي الوطن لا تحتاج إلى ألقاب أو توصيفات، كما لا تحتاج إلى هدر الطاقات والقدرات في إنتاج ونشر “فيديوهات” لا تخلو من الإثارة والرهان على “البوز” و “نسب المشاهدة” بحثا عن مكاسب غير معلنة.

خدمة الوطن تقتضي النضال بأوجه مكشوفة من داخل المؤسسات عبر الأحزاب السياسية والانخراط في المجتمع المدني… خدمة الوطن، تقتضي احترام النظم والقوانين والضوابط، والتحلي بقيم الوطنية وروح المسؤولية وعدم الإساءة للغير.

خدمة الوطن، تقتضي أن نتعلم كيف نحترم بعضنا البعض، كيف نقدر بعضنا البعض، كيف نتنازل عن كبريائنا وما يعترينا من خلافات ونعرات، أن نتنافس بشرف في الارتقاء بالوطن بعيدا عن مفردات العبث والتهور والانحطاط.

غير هذا، سينطبق علينا لقب “مول الشفوي”، نردد كل يوم “أسطوانات الشفوي”، نتعارك كالديكة، نتقن لعبة “القصف” و”الضرب تحت الحزام” وإهدار كل طاقاتنا وقدراتنا في “الشفوي”، في اختبار إجباري النجاح فيه يمر قطعا عبر تملك أسلحة العمل والتفاني والمبادرة والاجتهاد والخلق والابتكار. أما “الشفوي” “ما يداوي”.

Laaouissiaziz1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.