الحب لا يحب التعقيدات..

آخر تحديث : الأحد 15 سبتمبر 2019 - 2:00 مساءً
2019 09 15
2019 09 15
يونس فنيش
يونس فنيش

الزواجُ شرعًا، والله أعلم، كما علمنا منذ نعومة أظافرنا، يتم بالفاتحة، وتقديم الهدية أو المهر، وإشهار الزواج، وبحضور ولي أمر الفتاة الراشدة (-و إن تخلف لسبب ما ينوب عنه أحد أقارب الفتاة الراشدة، وإن تعذر فالقاضي يحل مكان وليها-)، والباقي أمور إدارية فقط… والله أعلم.

يعني، والله أعلم، أن توثيق عقد النكاح ليس شرطا لجواز الزواج، وإنما هو إجراء إداري لحفظ حقوق الرجل والمرأة بطريقة أكثر نجاعة في زمن تلاشت فيه قيم الرجال أولا وتصاعدت فيه مطالب النساء ثانيا، ونظرا للتأثير القوي الذي مارسه الغرب على البلد المسلم.

إن إضافة شرط الحصول على وثيقة الزواج في عصرنا هذا الذي عرف تكاثرا ديمغرافيا وتوسعا عمرانيا عملاقا شيء إيجابي وجيد؛ فالتوفر على وثيقة الزواج في سائر بلدان العالم يسهل ضمان حقوق الزوج والزوجة معا. وأما في البلد المسلم فهي وثيقة تجنب الأزواج متاعب جمة، نظرا لأن الزنا حرام ويقع تحت طائلة القانون الجنائي.

ولكن ما العمل في حالة عدم توفر الزوجين على عقد زواج مكتوب يمكن من الحصول على دفتر الحالة المدنية؟ الحل بسيط بحيث يلجأ الزوجان إلى تشكيل لفيف عدلي يشهد بأن فلانا وفلانة كانا يقيمان علاقة زوجية. وبناء عليه، يتم تحرير عقد الزواج وتحصل الأسرة على كافة حقوقها القانونية.

طيب.

الآن، المطلوب من القراء الشرفاء الأعزاء والقارئات الشريفات العزيزات التحلي بالصبر والهدوء. شكرا.

“أبناء الزنا” هم هؤلاء الأطفال الذين يولدون خارج مؤسسة الزواج، فيكون مصيرهم تعاسة لا يصفها الواصفون على الرغم من براءتهم. ولذلك، تكونت جمعيات نسائية يسارية، خاصة، تنادي بحق الأم العزباء في الحصول على دفتر الحالة المدنية في حالة الإنجاب بطريقة غير شرعية، كما أنها جمعيات يا ما طالبت بالحق في الإجهاض.

إلا أن تلك الجمعيات اليسارية، وعلى مدى عقد من الزمن، لم تهتد إلى المطالبة بالحقوق الحقيقية للمرأة، بحيث إنها اقتصرت على المطالبة “بحق المرأة في الإنجاب خارج مؤسسة الزواج” فقط ولم تطالب بحق المرأة في تكوين أسرة إنسانية، بكل للكلمة من معنى، توفر لها السعادة والطمأنينة والاستقرار؛ لأن المرأة تريد أن تنجب من زوجها الشرعي، وليس من أحد المارة. معذرة، سيداتي سادتي؛ ولكنها الحقيقة.

المشكل، إذا، يكمن فقط في تحديد مفهوم “الزوج الشرعي”. مزيدا من الهدوء من فضلكن ومن فضلكم.

طيب.

إذا كانت الجمعيات اليسارية، وكذا كافة المناضلات والمناضلين من كل التوجهات الأخرى إن وجدت، لا يطالبون، فعلا، بإلغاء الإسلام الضامن للاستمرار والاستقرار في البلد الحبيب تحت إشراف إمارة المؤمنين، فالشرع يعرف الزوج بذاك الذي يطلب يد فتاة من أهلها وأمام الملأ فتقبل الزواج منه، فيقدم لها مهرها، ثم يأخذها مباشرة إلى بيت الزوجية بعد قراءة الفاتحة؛ وبالتالي لا يمكن منطقيا إتهام الزوج والزوجة بالزنا بعد استكمال هذه الإجراءات.

فإذا كان الحب لا يحب التعقيدات، أليس تطبيق مقتضيات الزواج الشرعي أسهل وأيسر وأفضل طريقة لتجسيد الحب وتيسيره؟ فالمنطق المنطق، أيتها الجمعيات اليسارية ويا معشر المناضلين والمناضلات، في هذا الشأن. مع كامل الاحترام، طبعا.

وأما عن الحق في الإجهاض الذي تطالب به جمعيات اليسار، فالاجتهاد الشرعي يقول والله أعلم بأن الروح تبعث في الجنين بعد مدة معينة. فهل اتضحت الفكرة؟ ومع تقدم الطب، لم يعد من الممكن ترك الزوجة بدون إجهاض في حالة ما إذا كانت حياتها في خطر، لأن المبدأ الإنساني يقول: الأم قبل الجنين.

الإسلام رحمة. كلنا خطاؤون ومذنبون، ولو لم نكن كذلك لأتى الله بقوم غيرنا يذنبون ويستغفرون. فكفانا استغلالا للدين، سواء كنا إسلاميين أو يساريين، وسواء كنا أصحاب سلطة وجاه ومناصب أو مجرد مواطنين بسطاء. الحق حق. كفانا عبثا بوطننا الحبيب.

لقد انتهى عصر محاكمة النيات، وأصبح القضاء في العالم بأسره يحكم بالحجة والدليل بالضبط، كما جاء في الإسلام الذي يحث على الحكم حسب الظاهر للإنسان والعيان؛ لأن الباطن يبقى في علم الله وحده لا شريك له.

فإذا كنا جميعا نقر بأن الإسلام دين يسر وليس دين عسر، فلماذا نتهم كل رجل وامرأة لا يتوفران على وثيقة الزواج مكتوبة بمداد أسود على ورقة بيضاء بالزنا، ولو كانا يقيمان علاقة زواج مقبولة شرعا؟

نعم، لا بد من توثيق الزواج لحفظ حقوق الأسرة. ولكن كلمة “زنا” كلمة كبيرة وغليظة، لا يجب استعمالها في غير محلها أو التراشق بها كيفما اتفق. وإن كان لا بد من معاقبة كل من تقاعس على توثيق زواجه الشرعي فغرامة مالية تكفي، وليس الإحالة على محكمة الجنايات… ومن باب المزحة، من يعاقب دولة إنجلترا العظمى لأن دستورها شفوي لم تكتبه على الورق بعد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.