وفاة الرئيس التونسي تخرج تيارات التكفير من جحورها

آخر تحديث : الأحد 28 يوليو 2019 - 12:19 مساءً
2019 07 28
2019 07 28
الصادق العثماني
الصادق العثماني

الفكر “الداعشي” ينتعش من جديد هذه الأيام، وموجات التكفير تكتسح “فيسبوك” بسبب وفاة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي رحمه الله تعالى، وما يخيفنا ويرعبنا أكثر فأكثر هو تطبيع الشعوب المسلمة مع نوعية هذا الفكر؛ بل واحتضانه من قبل بعض المؤسسات الرسمية في البلاد العربية، مع التستر عليه والسمسرة به وبأفعاله من قبل بعض الأجهزة الأمنية الخائنة لوطنها، التي لا يهمها أمنه واستقراره وتقدمه وازدهاره وسلامته، وإنما هدفها ملء الجيوب وبناء الشقق وركوب السيارات الفارهة، وكأن لسان حالها يقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون !!.

هذه الظاهرة، أي ظاهرة تكفير المسلمين وإخراجهم من دينهم، أصبحت خطيرة تقلق راحة المجتمعات المسلمة وتنذر بكوارث لا تحمد عقباها؛ فإذا لم تعالج بقوانين زجرية صارمة ستتفاقم وتنمو وتكبر، وبالتالي تصعب معالجتها. والغريب في الأمر أن هذه الظاهرة لم تنتشر بكثرة إلا في أوساط دول أهل السنة والجماعة، مع أن أهل السنة، وخاصة السادة الأشاعرة، لا يكفرون أهل القبلة، لهذا الإمام الأَشْعَرِيَّ رحمه الله تعالى المتَوفَّى سَنَةَ 324 هِجرية قَدْ رَفَضَ عَقِيدَةَ التَّكْفِيرِ بِشِدَّةٍ، حَتَّى إِنَّ آخِرَ كَلِمَةٍ مَاتَ عَلَيْهَا هِيَ قَوْلُهُ لأحَدِ جُلَسَائِهِ وَهو يَحْتَضِرُ: “اشْهَدْ عَلِىَّ أَنِّي لاَ أُكَفِّرُ أَحَداً مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقِبْلَةِ، لأِنَّ الْكُلَّ يُشِيرُونَ إِلَى مَعْبُودٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ اخْتِلاَفُ الْعِبَارَاتِ”.

وَعِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِقَضَايَا اجْتِهَادِيَّةٍ فَإِنَّ أَئِمَّةِ الْعَقِيدَةِ الأشْعَرِيَّةِ يُظْهِرُونَ تَسَامُحاً لاَ نَظِيرَ لَهُ، إذ لَمْ يُكَفِّرُوا مَنِ اجْتَهَدَ فِي تَقْرِيبِ بَعْضِ قَضَايَا الاعْتِقَادِ، كَإِنْكَارِ رُؤْيَةِ اللهِ تَعَالَى، أَوِ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الأَفْعَالِ وَمَسْأَلَةِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ وَبَقَاءِ الأَعْرَاضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ دَقَائِقِ عِلْمِ الْكَلاَمِ؛ فَالأُولَى كَمَا يُقَرِّرُ عُلَمَاءُ السنة عَدَمُ التَّكْفِيرِ؛ لِكَوْنِ أَصْحَابِهَا مِنَ الْمُتَأَوِّلِينَ، وَالتَّأْوِيلُ إِنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الاجْتِهَادِ فِي فَهْمِ النَّصِّ، وَهُوَ عَمَلٌ يُثَابُ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ، سَوَاءٌ أَخْطَأَ أمْ أَصَابَ. وَقدَ وَضَعَ الإمامُ الغَزَاليُّ رحمه الله الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 505 هِجْرية قَاعِدةً جَليلةً فِي هَذَا الْمَوْضِع الْخَطيرِ الحساس فَقَالَ: “وَالذِي يَنبغِي أنْ يَميلَ المحصلُ إليه الاحترازُ مِنَ التكفير مَا وَجد إليه سبيلا، فإنَّ استباحةَ الدماء والأموال من المصلين للقبلة، المصرحين بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، خَطَأٌ، وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ فِي الْحَيَاةِ أَهْوَنُ مِنَ الْخَطَأ فِي سَفْكِ مَحْجَمَةٍ مِنْ دَمِ مُسْلِمٍ”؛ كما وضع قَواعِدَ أُخْرَى مُسْتَلْهَمَةً مِنْ رُوح الشَّرْع الْحَكِيم منها: “إنَّ الْخَطَأ فِي حُسْنِ الظَّنِ بِالْمُسْلِمِ أَسْلَمُ مِنَ الصَّوَابِ فِي الطَّعْنِ فِيهِ. فَلَوْ سَكَتَ إِنْسَانٌ مَثَلاً عَنْ لَعْنِ إبليسَ أوْ لَعْنِ أَبِي جَهْلٍ أَوْ أبِي لَهَبٍ أَوْ مَا شِئْتَ مِنَ الأشْرَارِ طُولَ عُمُرِهِ لَمْ يَضُرَّهُ السُّكُوتُ، وَلَوْ هَفَا هَفْوَةً بِالطَّعْنِ فِي مُسْلِمٍ بِمَا هُوَ بَرِيءٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْهَلاَكِ..”.

إن اختلاف الآراء المتعلقة بالدِّين، سواء كانت آراءً فقهية كاختلاف المذاهب الفقهية، أم عقدية كما اختلف مثلاً الأشاعرة مع الماتوريدية وغيرهم من الفرق الكلامية، أم كانت اختلافات في التفسير أو في إثبات صحة هذا أو ذلك الحديث..فنوعية هذا الاختلاف كان السلف الصالح والسادة العلماء يعتبرونه اختلاف رحمة؛ ومقولة الإمام الشافعي المشهورة: “رأيي صوابٌ يحتمل الخطأَ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”، تعبر عن هذا المعنى الإيجابي للاختلاف؛ لكن عندما يتحول الاختلاف في مسائل الدين من رحمة إلى نقمة، ومن الاختلاف إلى خلاف كما هو حاصل اليوم، إذ تحول إلى آلية إقصاء وتبديع وتفسيق ولعن وتكفير، فأصبح أغلب العلماء والفقهاء والمشايخ والدعاة، وبمجرد مخالفتك لهم في جزئيات بسيطة في شؤون الدين، تجد نفسك خارجا عن الملة كافرا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؛ فأصبحت أقوال هؤلاء وكلماتهم بمثابة كلمات الله تعالى، مقدسة لا مجال للطعن فيها أو مخالفتها أو انتقادها، فهي الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

حينما يتحول الدين من رحمة وخير وهداية ومحبة وطريق إلى الله إلى آلية انقسام وبغض وكراهية وصراع وتقاطب في المجتمع وإفساد في الأرض وقتل وخراب ودمار واستعلاء على العباد، وتكفير المؤمنين والمؤمنات، فاعلم أن جسد الدين نفسه قد أصيب في مقتل، لكونه تحول من ثقافة التعايش والحب والسلام إلى ثقافة احتكار الحق المطلق، المتجلية هذه الأيام في ثقافة التكفير. كم أروع هذا المشهد القرآني العظيم الذي نقلته آيات تخاطب كل فكر عنصري تكفيري إقصائي يوزع صكوك دخول النار وفقاً لعقله المريض ونفسيته البئيسة.. في هذا المشهد القرآني يتساءل أناسٌ في نار جهنم: “وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنّا نعدهم من الأشرار، أتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار، إن ذلك لحقٌ تخاصم أهل النار”. هذه الآيات تتحدث عن أكثر ما سيتناقش فيه أهل النار، وهو استعجابهم أنْ وجدوا أنفسهم في النار بينما لم يجدوا فيها أولئك الذين كان قد سبق حكمهم عليهم أنهم من أهلها. هذه الآيات لا تخاطب من اختلفت آراؤهم، بل أولئك الذين حكموا على من خالفهم بأنهم من أهل النار، وهؤلاء هم التكفيريون على مدى العصور.

هذا المشهد القرآني رسالة لكل التكفيريين، ودعوة للاعتبار ومراجعة النفس، لأن التكفير يعني الحكم على الآخر بأنه من أهل النار. وهذه الآيات في الحقيقة دعوة إلى التواضع في نظرة الإنسان للرأي الآخر قبل أن يندم غداً، فيجد نفسه في النار بينما لن يجد أولئك الذين كفرهم وحكم عليهم بدخولها، ويا ليت قومي يعلمون. غفر الله لنا ولكم جميعا وتعازينا الحارة الصادقة القلبية للشعب التونسي الشقيق في وفاة رئيسه الباجي قايد السبسي، راجين الله تعالى له الرحمة والمغفرة، إنه سميع مجيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.