الحكاية الحادية عشر… فلقة البزطام

آخر تحديث : الإثنين 3 يونيو 2019 - 7:35 مساءً
2019 06 03
2019 06 03

محمد سعيد الوافي

كان البيت يغرق في نوم عميق .. بعد العشاء .. تمددت جدتي بعد أن أنهت صلاتها فيما عاد والدي من صلاة التراويح ودخل حجرته لينال قسطا من الراحة ..تسللت إلى حجرة الجلوس فوجدت الأنوار مطفأة ولم أسمع سوى وشوشات شقيقاتي وهن يتابعن سهرة رمضانية عبر التلفزيون.. “” عدت إلى فناء البيت ابحث عن محفظة والدي القديمة .. فقد لمحته قبل أسبوع وهو يغير كل وثائقه الثبوتية وأوراقه النقدية من محفظته السوداء ويضعها في أخرى بنية اللون أهداه إياها أحد الأصدقاء..

كان سني لا يتجاوز التسع سنوات .. وكنت أكره أن ينام أهل الدار بين العشاء والسحور .. لأن منظر البيت وهو نائم كان يفقدني فرصة التمتع بطقوس رمضان الجميلة .. ولم يكن عقلي الصغير يستوعب أن أبي متعب وأنه يحتاج للراحة وكانت أنانيتي الصغيرة تأبى إلا أن تستنفد المتعة الكاملة لشهر أنتظره طول السنة لأكسر معه مللي وأتحرر من قيود الدروس العقيمة وجدول الضرب الملعون الذي كان يعكر علي صفو طفولتي ويعرضني لوجبات فلقة كانت قدماي الصغيرتين تتقرحان دما بعدها.

كان رمضان ولياليه الكريمة رحمة من الله ونعمة علينا نحن الصغار فلم نكن نحمل هم تلك المحفوظات البليدة التي كانوا يحشونا بها أدمغتنا الفتية الطرية.. لم تكن البيوت تنام خلال ليالي رمضان .. فقد جرت عادة أهل طنجة أن يتبادل الأهل الزيارات .. زيارات بدون مقدمات أو ترتيبات مسبقة حيث كنا نترقب كل ليلة أن يطرق الباب سويعات بعد الإفطار ليطل منه العم أو الجد أو الخالة أو العمة ومن ورائهم أبنائهم يصغارهم وكبارهم .. يومها كانت تلك الزيارات تدخل على قلوبنا الصغيرة بهجة خارقة وتتحول إلى فرصة للهو واللعب والمرح..مرح كانت تغيب عنه كل أصناف الرفاهية المكلفة فلم نكن نملك غير العصي وعلب القصدير لنصع منها السيوف والمسدسات والبنادق ونشكل جيوشا من وهم بطولي يتخندق في أعماق مخيلتنا وننطلق في تحقيق الإنتصار على عدو لم نكن نعرفه لكنه كان يوجد حقيقة في مكان ما خارج خريطة إدراكنا الفطري.

******* لمحت عيني المحفظة السوداء على طاولة التلفزيون إلتقطتها بسرعة وهرعت إلى خارج البيت في اتجاه عصابة المشاغبين الصغار وجدتهم في انتظاري – جبتي البزطام – آه .. جبرتو .. يا الله جيبي السبيب .. – أنا عندي السبيب .. اربط .. – ولا أصاحبي ربط من داك الجهة ربطنا المحفظة بخيط نيلوني يستعمل لصيد السمك .. وانطلقنا نحو الشارع العام .. كانت أنوار الحي الصفراء خافتة.. وكان المرور متقطعا .. – أصاحبي .. فالليل ما كيكونوش الناس بزاف – غير صبر.. دابا تشوف.. رمضان هاذا الناس مازال قسارين وضعنا المحفظة في مكان بارز مضيئ واختبئنا وراء ظلال شجرة الصفصاف العتيقة .. طال إنتظارنا .. لكن صبرنا لم ينفد .. وفجأة لمحنا سيدة عجوز تجر رجليها متعبة .. مرت بالقرب من المحفظة فلم تنتبه لوجودها ولم تكن شروط اللعبة تسمح لنا أن ننبهها لوجود بزطام .. ندبنا حظنا التعيس .. ثم استسلمنا للإنتظار .. همس حميد بصوت خافت : – شوف شوف .. هاهما شافوها إقترب بدويان من المحفظة وكانا قد لمحاها معا من بعيد .. تسارعت خطواتهاما في تسابق نحوها وما أن مد الأول يده لإلتقاطها حتى سحبنا الخيط .. فأصيبا بهلع .. وهما يصيحان – بسم الله الرحمن الرحيم وهو كل ما كنا ننتظر سماعه , لنطلق قهقهات طويلة عالية ..ونحن نصيح – آ الطماع أمسخو ط الوالدين .. آ الطماع أمسخوط الوالدين – مساخط الوالدين هما أنتما أجنون .. سيروا الله يخليها ماركا .. الله يلعن ولدكم وما عرف يربيكم .. عفاريت .. ما شي عواول هادو (عواول تعني أولاد) احتفلنا بانتصارنا الأول .. وتداولنا فقراته المضحكة ثم عدنا لتكرار العملية مرة ومرة ومرة .. فكان هذا يسبنا وذاك يطاردنا وآخر يرشقنا بالحجر فنرد عليه بوابل من الطوب ونحن نضحك ونسخر ونتشيطن دون خوف أو رعب .. حيث كان كل همنا هو الفرجة والمرح بأي ثمن .. لكن الجرة لم تكن لتسلم كل مرة .. ففي لحظات .. لمحنا شخصا وقورا يسير برفقة سيدة في مقتبل العمر وصلا إلى حيث وضعنا المحفظة فانحنى الشخص والتقطها بكل سهولة .. كان دوري لشد الخيط .. قمت بشده بكل قوة لكن المحفظة لم تتحرك من يده .. فقد أفلت الخيط بفعل تكرار عملية الشد الكثير. سمعنا الرجل وهو يقول لزوجته .. – الحمد لله والشكر لله .. خير من الله فهاذ الشهر المبارك فتح المحفظة وأخرج منها رزمة من الأوراق النقدية .. فأصايتني نوبة من الهلع وأنا أراقب المنظر .. رأيت الرجل وهو يعدها .. فأدركت فورا أن أبي عاد لإستعمال محفظته القديمة وأن التي أعتقدها فارغة .. هي بالفعل محفظته وتحتوي على كل أوراقه وأغراضه.. فأسرعت نحوه مع أقراني وأنا أصيح – آ الشريف .. آ الشريف .. هذاك البزطام ديالي – سيروا تلعبو أوليداتي .. ملي ديالكم شكايدير في الأرض مرمي – آ الشريف .. الله يرحم والديك .. هاذ البزطام تاع الوالد.. وحنا كنا كنربطوه بالسبيب باش نتفلاو على الناس .. – إيوا تفلاو دبا .. كتفلاو ..؟ ودابا مشي تفلاو مزيان .. تركنا نصيح من وراءه وقد أمسك بزوجته وانطلق نحو حال سبيله – أنت الحمار .. جايب البزطام ديال أباك عامر – ولا.. أصاحبي .. أنا شفتو كيخويه.. والله العظيم .. سحابلي خاوي – اسمع دابا .. سكوت و دخل للدار وما تقول والو .. عنداك تتخربق – الله .. قودتها آصاحبي .. أويلي .. مشاو الفلوس ديال الواليد .. مشات المانضة .. مشاو الفلوس ديال العيد.. الله يا ربي .. تفرق الشياطين من حولي وكل تسلل إلى بيته تاركين إياي عند عتبة المنزل أندب حظي فدخلت المنزل بهدوء غير عادي وأنا أتحسر على فعلتي ..وأتخيل العواقب .. هل أسكت ؟ هل أعترف ؟ هل أهرب إلى بيت جدي ؟ – مال وجهك صفر ؟ – والو .. آ العزيزة .. ما كاين .. والو – فين كنت ؟ – كنت .. ؟ كنت كنلعب مع ولاد الجيران – يا الله سير غسل طرافك .. شوف حالتك كيف مكفس .. الله يخليها ماركا

****** جلس الجميع على طاولة السحور.. كنت أمد يدي لقطع البغرير وألوكها في فمي ببطء وأنا شارد .. وقد انتابني الخوف والرعب .. تركت المائدة وانسحبت بهدوء إلى الحمام. – يا ربي يا الحبيب.. أنا كنطلبك يا مولاي في ليلة رمضان المبارك دعوت الله وأنا أبكي .. وفجاة أدركت أنني أدعوه في الحمام .. فترددت في فك لغز حيرتي هل أنا الآن بصدد طلب العون .. أم أنا بصدد إختيار المكان .. كنت على يقين أن الله معي أينما كنت .. وتعمدت التنكر لنصائح جدتي التي كانت تقول دائما أن الحمام مكان لا يجب أن يذكر فيه إسم الله الأعظم.. لكنني لا أملك مكانا آخرا للخلوة غيره .. فهو المكان الوحيد الذي لا أخشى أن يفتح علي فيه الباب فجاة .. تركت الأمر وخرجت بسرعة ثم إتجهت نحو فراشي .. كنت أحس بألم في معدتي .. ألم أعرفه جيدا .. فهو نفس الألم الذي كان يلازمني كلما حان وقت الإمتحانات أو يوم ظهور النتائج .. ألم وانقباض كنت أعتبره نذيرا بأمر جلل .. بدايته سؤال ونهايته فلقة مؤكدة. القيت بالغطاء على رأسي .. واسترسلت في قراءة القرآن ودعوة الله سرا .. كنت أعلم أنني أسأل الله معجزة .. لكن يقيني في قدرته تعالى كان أقوى من أن يترك مكانا للشك ثم بكيت طويلا وأنا أناشده .. قفزت من فراشي كالمذعور على صراخ والدي .. وهو يبحث عن محفظته في الصباح الباكر .. حاولت الخروج إلى فناء البيت .. ثم ترددت قليلا قبل أن أقرر العودة للفراش والتظاهر بالنوم.. سمعت والدي وهو يسال كل أهل البيت الواحد تلو الآخر .. طال البحث اكثر من ساعة من الزمن حسبتها أعواما لا نهاية لها .. ومع ارتفاع صياحه .. كانت ضربات قلبي تزداد ..وبينما هو على تلك الحال .. سمع طرق بالباب .. فلم أسرع لفتحه كعادتي .. – السلام عليكم – وعليكم السلام أسيدي .. آش حب الخاطر – أسيدي .. أنا ومراتي كنا البارح راجعين للدار .. وجبرنا هاذ البرزطام .. وبصراحة آشريف .. جبرت فيه هاذ البطاقة ديال التعريف وهاذ الفلوس وهاذ الحصن الحصين .. وشي وريقات ما فتحتهومش .. قلت مع بالي .. مول هاذ البزطام .. راجل مومن .. والدنيا رمضان وحرام ناخد هاذ الفلوس وهما مخبيين مع كلام الله – الله يجازيك بخير .. تفضل اسيدي .. تفضل – الله يجازيك بخير .. وفين جبرتيه ؟ – آسيدي .. كان فالشارع إلى تحت الدار .. وجا واحد الوليد تيقول هاذا البزطام تاع باه وكان رابطو بشي سبيب باش يلعبو على الناس .. بصراحة أنا مافهمت منو والو وما تيقتوش .. حتى مشيت للدار أدركت على الفور أن الله قد استجاب لدعوتي وأعاد المحفظة لوالدي لكن الله يريدني أن أدفع ثمن هذه الفضيحة .. سمعت والدي يصيح باسمي فايقنت أن الفاس وقع في الرأس .. أسرعت بارتداء أكبر قدر من الملابس لتقيني وجع الضرب بالحزام ( السمطة ).. وكل املي هو الا تكون العقوبة فلقة .. فتح علي باب الحجرة وأخرجني بكل هدوء .. – هاذا هو .. أسيدي .. هو بالذات والصفات وهات ما عندك من لكم .. و ركل… وآشمن رفيسة .. واشمن مشوي وآشمن دانون .. المهم اكلت ما أكل الطبل يوم العيد .. وكان كل أملي أن بأن يسمح لي بأن أفسر له أنني كنت أعتقد أن المحفظة فارغة .. لكنه لم يمهلني فرصة التفسير ..فالأمور كانت واضحة .. وقبل أن يخرج إلى عمله أصدر حكمه الذي كان أقسى علي من الضرب فقد منعني من الجلوس على طاولة الإفطار .. ومائدة السحور لما تبقى من شهر رمضان.. وبعد محاولات مضنية وضغوط كثيرة من قبل جدتي رحمها الله جاء الفرج .. ليلة القدر .. وسامحني.. ومن يومها وأنا أكره أن اضع في جيبي محفظة سوداء ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.