الحكاية التاسعة.. صائم بشهادة جدتي

آخر تحديث : السبت 1 يونيو 2019 - 7:02 مساءً
2019 06 01
2019 06 01

محمد سعيد الوافي .. واشنطن

بعد نقاش وبكاء وصراخ قرر أبي ان يسمح لي بالصيام لم يكن عمري يتجاوز الثامنة ولم يكن له ليمنعني لولا أنني كنت أعاني من مرض في الأمعاء ما اقتضى حملي إلى المستشفى قبل يومين .. قبل وهو يعلم أنني يجب أن أتناول الدواء في وقته .

– يا ولدي الله يهديك .. أنت مريض والصيام ممنوع على المريض حتى لو كان بالغا …وأنت ما زال صغير – ولكن أنا دبا ماشي مريض .. الله يرحمك والديك خليني نصوم – إلى كنت باغي تصوم غير باش تفيق للسحور .. غادي نفيقوك ولكن أنت مريض والمريض خاصو يفطر – وخا .. نصوم وإلى مرضت نفطر

وافق.. مكرها ولا أزال أذكر نظراته وهو يتحسر على إبنه البكر .. جسم نحيل ووجه أصفر من معاناة المرض الذي لازمه مذ كان في المهد.. ولم تمض سوى لحظات لأسمعه وهو يتبادل الحديث مع جدتي خفية – فيقوه يتسحر وفي الصباح عطيه الدوا والشراجم مسدودين باش ما يشوفش الشمس – الله يا ولدي .. واش عقلك هذا .. هاذ البلا لي عندك غادي نقدر ندوزها عليه .. أنا ما عندي ما نعملو .. بغا يصوم خليه صايم وإذا مات دفنو وحمد الله – الله يا الوالدة.. شنو هاذ الهضرة .. – أنا غير كنضحك معاك.. تهنا .. غادي نعرف كيفاش نفطرو علمت يومها وأنا أتنصت على حديث أبي مع جدتي أن الأبوة اكثر من مجرد صوت جوهري وأوامر وعقوبات .. أدركت ولأول مرة أنني إبن وله أب يخاف على حياته كما لو كانت حياته هو .. إحساس جميل غمرني وأنا مزهو بانتصاري العظيم .. فلن أعير بأنني فاطر وسأجلس غدا على مائدة الإفطار مع الكبار وأتصدر المجلس وأمامي زلافة من الحجم الكبير تماما مثل أبي وجدتي وباقي البالغين..لكن الأجمل هو النهوض للسحور معهم دونما التفكير في الذهاب للمدرسة .. فأنا مريض ولن يرسلوني للمدرسة.. لكن المصيبة هي أنني كنت بالفعل مريضا لكن هذا المرض اللعين لا يجب أن يمنعني من الصيام للتباهي أمام ابناء العمة والخالة بأنني صائم واجلس للأكل مع الكبار , فخر عظيم ما بعده فخر.. طلبت من أختي مليكة أن تخرج لي جلبابي الصوفي , لبسته وبدأت استعرض عضلاتي وانا أسال من حين لآخر عن ساعة السحور .. فقالت لي جدتي – يا ولدي .. الله يرزق الصبر معاك .. تعنس وتشبع نعاس والسحور مازال ما وصلش.. وزيدون.. هاذي ماشي أول مرة ماش تصوم فيها – لا .. يا العزيزة .. هاذ العام غادي نصوم رمضان كلو – إن شاء الله آوليدي.. باش ندفنوك ونرتاحو من صداعك – غير كتقول والله ومت حتى تموتي عليا بالبكا – سير أولدي .. اجلس تجلس على الشوك .. خليني نعمل شغلي و سير تلعب – مشينا .. لا فائدة إنها تعاملني كما لو كنت طفلا .. .. يبدو أن شيئا ما لا أدركه هو الذي يحول بيني وبين الرجولة .. أنا متأكد أنها عندما تراني صائما غدا ستغير رأيها..

****** كان المنزل في أبهى حلله القيت بعنقي من النافدة لأسمع زغاريد وهتافات ..سمعت جمهورا من الصبيان والفتيان وهم يقرعون كل ما يقرع من أدوات ويصيحون بصوت واحد – شنو غدا رمضان شنو ناكلو الحرير شنو غدا رمضان شنو نفرشو الحصيرة كان بعضهم يحمل المشاعل وآخرون الشموع فيما لبس معظمهم الجلاليب الجبلية القصيرة البيضاء .. وكان لإستقبال رمضان في مدينة طنجة عرف وتقليد وطقوس .. كان النسوة يتأهبن لرؤية الهلال فيفترشن أسطح المنازل قبيل غروب شمس آخر يوم من شعبان فتشرئب الأعناق إلى السماء وبين ثرثة النسوة وصياح الأطفال وضجيج المارة والبائعين تمر الدقائق ومعها تزف السماء رمضان للعباد.. فيستقبل استقبال العروس .. فتتحول الليلة للمصالحة والمصافحة والغفران ..وبينما تصفد الشياطين بأغلال السماء نعلن نحن الصغار للعالم بداية شهر الحرية المطلقة .. لم نكن نملك الكبيوتر والنينتيندو وبلاي ستايشن كنا ننتظر الشهر الكريم لنتحرر من قيود الدروس المملة .. حيث كان معلمونا رحم الله الأموات منهم يشبعون شخيرا في الفصل فيما كنا نحول القسم الدراسي إلى ملعب لكرة القدم .. وغيرها من العابنا المفضلة .. فمدير المدرسة ترك مكتبه بعد صلاة الظهر والمعلم يفترش الأرض مع لفيف من زملائه يتجادبون أطراف الحديث في انتظار جرس الخروج من المدرسة .. والكل في حل من قيود ايام الله العادية .. الكل كسر روتينية السنة القاتلة وابتهج بقدوم شهر الحرية .. وكم كنا نتوق لهذه الكلمة .. وكم كنا نأمل اختزالها في أبسط الصور والمظاهر يحمل النفار نفيره وينظف الغياط مزماره .. ويتأهب الكل لشهر كان المغاربة يستقبلونه ودفاترهم تزدحم بطلبات يرجون من الله الإستجابة لها. فبين فران بئيس ينتظر هذا الشهر لتزداد طرحات الخبز في فرنه وبين بائع حمص مبلل يدعو الله أن ييسر لبضاعته ليسدد لوازم مدرسة أبناءه وآخر تراكمت عليه الديون .. كنا نعيش زمنا قاسيا مرا ممزوجا بتآلف وتآزر شعبي لا مثيل له .. لا أزال أتذكر صحون الأكل تنتقل من بيت لبيت كان البسطاء يطلقون عليها إسم التدويقة وكان للتدويقة شرع وشروط فما كان للصحن أن يعود لأصحابه فارغا بل اقتضت أعرافهم الجميلة أن ترد التدويقة بمثلها أو أحسن .. ولم نكن نعلم أن في ربوع الوطن خيرات وحقول تكدس محصولاتها في جيوب ثلة لم تكن تعترف بالتدويقة , ولم تكن تستقبل رمضان كما كنا نفعل لكنها كانت نلتقط لنا الصور .. صور لتزين بها أرشيفا فلكلوريا لمغرب سياحي كنا نراه ملصقات في مكاتب وزارة السياحة وبطاقات تذكارية معلقة على بوابات محلات بيع الدخان بالمدينة العصرية.

****** تقلبت في فراشي بين الغفوة والصحوة وأنا على أتم الإستعداد لأي طارئ. كنت خائفا أن يستغفلوني في السحور.. طرحت الغطاء على جنب .. وتسللت إلى حيث كانت جدتي رحمها الله تنام. – العزيزة .. آ العزيزة.. ما غديش تتسحرو ؟ – أولدي .. نعس .. نعس .. تتسحر السم الهاري.. – واش غادي تفيقوني .. – إن شاء الله .. انعس .. تنعس ما تفيق آولدي كنت أعلم أنها تحبني وأن دعوات الشر هاته إنما هي عبارات ترددها دون معنى . عدت لفراشي .. وكان عبارة عن طرف من سداري محشو بأشياء قاسية لطالما غرس أنيابه في ضلوعي.. لم استسلم للنوم وأقسمت ألا أسقط ضحية ما لا يحمد عقباه. مزق سكون البيت صوت عمي علي الطبال فأيقنت أنني لا محالة متسحر معهم . فكنت أول من جلس على المائدة الخشبية المستديرة .. تقاطر أهل البيت الواحد تلو الآخر وكلهم رددوا نفس العبارة – آ ش كيدير هاذ الجن فايق – الجنون ما كاينش فرمضان .. أنا با قالي نصوم – الله يمسخك .. أنا قلتلك تصوم ؟ أنت باغي تصوم – أنا باغي نصوم رمضان كامل.. بحال الكبار – إيوا يا الله ورينا شطارتك .. الله يلعن لي يقولك علاش كان الحوار على مائدة السحور قليلا , متقطعا .. فالليلة هي الأولى وبعدهم لم يتعودوا على الإستيقاظ .. – خصك تفيق بكري باش تمشي للمدرسة – آه .. علاش .. ما شي قلتي أنا مريض .. وما كاين مدرسة حتى نهار الخميس – مريض على المدرسة وماشي مريض على الصيام ؟ نوض تنعس وغدا يرحم الله أدركت أن الأمر تعقد أكثر , فقد عكر علي موضوع المدرسة هذا متعة النوم صائما إلى منتصف النهار.. ثم اللهو مع الأقران إلى أن يحين وقت الإفطار.. فتحت نافدة من تحت الغطاء وأنا أراقب والدي وهو يترك البيت متوجها لعمله .. لم ينادي علي .. فقد اصطحب أختي للمدرسة .. سمعتها تسأله عني فأجابها – مريض .. خصو يبقى فالدار باش ياكل الدوا مرت بضع ساعات فبدات الحياة تدب في البيت .. سمعت جدتي تنادي علي فتظاهرت بالنوم .. فاقتربت مني ووضعت كوبا من الحليب المخلوط بمسحوق الشوكولاطة ..( من النوع الذي كان ولا يزال يهرب لطنجة من مدينة سبتة ) .. سمعتها تقول لأختي مليكة – عنداك تعطيه الشكلاط ماروخا .. – لا .. أنا مشي نخبيه في الماريو إلي فالكوزينا تسللت إلى أنفي نسمات الشوكولاطة الساخنة وقد كستها رغوة شهية على الوجه .. صممت أن أعاند الإغراء .. حاولت بكل ما أملك من عزيمة لكن الأمر كان أقوى .. كيف تعمدت جدتي هذا التكتيك المحكم , ثم تذكرت حوارها مع أبي .. فقد أخبرته أنها تعرف كيف تجعلني أفطر.. حاولت تجاهل الأمر في البداية .. فنهضت من الفراش .. أحسست بدوار بسيط ورغبة في الإستفراغ فأخفيت الأمر بحذر شديد .. – ارجع الفراش .. راك مريض زعما – غادي للحمام عدت لفراشي وبعده الكوب الملعون .. يغازل بصري .. (( يا إلاهي .. ما العمل .. بعد قليل سيأتي أولاد عمتي .. وستبدأ المحاكمة .. من الصائم ومن المفطر ؟ من الطفل ومن الكبير البالغ ؟ .. وبعده كوب الحليب بالشوكولاطة منتصب أمامي .. راوحت الساعة الواحدة زوالا وبدأ الجوع يسحق معدتي .. وازدادت المغريات بعد أن تعمدت جدتي رحمها الله أن تضع على الطاولة قطعة من شكولاطة الماروخا ..وعلى القرب منها وضعت علبة الدواء .. والحقيقة أنني كنت أحوج ما أكون للدواء .. لكن عينايا لم تفارق قطعة الشكولاطة .. دخلت جدتي الحجرة ثم القت نظرة على الكوب فوجدته على حاله .. – سمع أوليدي .. أنت مريض .. والمريض .. ما شي واجب عليه يصوم.. شرب الدوا .. وخليك صايم – إيوا .. وملي يجيو ولاد عمتي يضحكو عليا – ما غاديش نقولو ليهم إنت فاطر أحسست أن العرض لا بأس به .. فقلت لها .. أنني لا أضمن أن تفضحني أختي مليكة .. فأكدت لي أن مليكة لن تعلم .. حاولت إقناعي بكل ما أوتيت من حنكة وصبر .. ولم تكن تحتاج لكثير من الإصرار .. فقد كانت قطع الماروخا وكوب الشكولاطة بالحليب كفيل بذلك .. فأبرمت معها عقد شرف .. مفاده أنني صائم وهي الوحيدة التي تعلم بقضية الكوب والماروخا والدواء.. جاء أولاد عمتي .. فتبادلنا الإتهامات .. وأخرجنا للبعض لساننا للبرهنة أن اللسان الأحمر صاحبه فاطر واللسان الأبيض صاحبه صائم .. بدأوا يتصايحون فيما بينهم – فاطر .. فاطر فقد كان لساني أحمرا فحاولت إقناعهم.. وطلبت منهم التأكد من جدتي ..سألتها أمامهم ..فلم ترد بكلمة .. تحججت بأنها مشغولة وطردتنا من المطبخ ..وصراخنا يتعالى ..

****** جلست على المائدة في انتظار ضربات المدفع .. إيذانا بوقت الإفطار .. رأيت أبي ينظر إلى جدتي وهما يتبادلان إبتسامات ماكرة .. فيما لم تقاوم مليكة ضحكة لئيمة.. احمر وجهي وأحسست بالدم يفور من شرايين عنقي .. – أنا صايم – طبعا .. صايم .. الله يقبل أولدي ارتفعت قهقهات الجميع .. فلم أتحمل المنظر .. أجهشت بالبكاء وأنا أتهم جدتي بخيانة الإتفاق .. وكنت كلما نبست بكلمة إزداد ضحكهم أكثر .. انهارت قواي وسقطت كل دفاعاتي .. وأنا أصيح .. – العزيزة قالت المريض .. واخا ياكل الدوا كيبقا صايم لكن الجواب جاءني من أختي التي صاحت – والشكلاط مارخا حتى هو دوا فأدركت أنني سقطت بالضربة القاضية .. سلمت أمري وهربت إلى سطح المنزل خجولا غاضبا ألعن الماروخا والشوكولاطة بكل أنواعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.