محمد سعيد الوافي يكتب” سراق الكرموس”

آخر تحديث : الجمعة 31 مايو 2019 - 6:03 مساءً
2019 05 31
2019 05 31

محمد سعيد الوافي/واشنطن

يبدو أن الزمن الجميل يشدنا رغم أنفنا إلى التعلق به ، ويوثق وشائج المحبة والهيام بلياليه وأمسياته .. ولم نكن لنتذكر أجمل ما في هذا الزمن دونما البحث فيه عن أجمل شهر يزين السنة ، شهر رمضان. ولرمضان يا إخوان في المخزون الشعبي وقع كبير وآثار.. سألني البعض عن جدوى الذكرى ؟ وعن منفعة العيش بعبق الماضي؟ الحقيقة أنني لم اجد أكثر من جواب غير مقنع أو لربما سلسلة أسئلة تحمل أجوبة متقطعة.

أهو الحنين إلى طفولة ولت ولن تعد ؟ أم هو الحنين إلى واقع نفتقده اليوم ولا نملك أدوات نقله إلى صورة حداثية تتعايش مع الكمبيوتر والهواتف النقالة وإمبراطوريات الإنترنيت ؟ أم هو شح المواضيع التي لا تثير الخلاف ؟ فعلمي أن الكتابة عن الأمس البعيد، عن أناسه وأهله وأزقته لم تخلف صراعا أو نقاشا أو إتهامات ؟ لست أدري لكنني على يقين أنني أنجرف لهذا الطبع الأدبي كلما حل رمضان بحثا عن هدوء أفتقده في صخب هذا العهد المتلون الذي أعيشه وإياكم

******* لمحت من شرفة البيت بائع التين ( الكرموس ) وهو يجر عربته متوقفا تارة بين أبواب المنازل وتارة يلتف حوله جمهور من الصائمين وقد غازلت عيونهم حبات التين الأخضر المنتفخ في أبهى حالات الإغراء والتحدي للجوع.

لم نكن في بيتنا ممن نشتهي هذه الفاكهة كثيرا .. فقد من الله علينا بأربع شجيرات للتين تحمل كل شجرة في السنة خيرا لنا وللحي وللأهل والأحباب بل وحتى النحل والدبابير كانت تصيب حقها من الكرموس.. كان المنزل يقع على سفح مرتفع (ميسترخوش) بضواحي مدينة طنجة ولم يكن يفصلنا عن سوق كازاباراطا سوى ميل ونصف أو أقل.

تأملت شجيرات التين ولمحت بعض الثمار تتساقط .. كان الوقت عصرا من أحد أيام رمضان ولم يكن عمري يتجاوز الإثنى عشرة سنة .. دخلت المنزل فكانت جدتي رحمها الله تصلي .. انتظرتها لتنتهي ثم قبلت راسها فأحسسته مبللا من ماء الوضوء وتسللت لأنفي الفتي رائحة الحنة من زغيباتها الجميلة..قمت بتقديم بسيط لمحاضرتي ثم فاتحتها في موضوع ثمار الكرموس ( التين ) المتساقطة بدأت ( الفيلم الهندي ) بالتأكيد أن التبدير حرام وأن هذا التين المتساقط يمكن أن يستفيد منه الفقراء والمساكين الذين لا يجدون ما يسدون به رمقهم ساعة الإفطار.. رفعت المرحومة يدها إلى السماء ودعت الله لي بالهداية والنجاح .. والتوفيق

– آ العزيزة ( العزيزة في لغة أهل طنجة تعني جدتي ) أنا غادي نجمع الكرموس ونعطيه للمساكين – سير أوليدي الله يرضي عليك .. غير أوكان خلينا شويا ما ناكلو وما نعطي لعمتك – ولا يهمك آ العزيزة .. كوني هانية – سير أولدي الله يهديك لم أكن انتظر منها سوى هذه الإشارة .. إنطلقت نحو أشجار الكرموس فنفضتها نفضا .. لم افكر في عمتي أو خالتي بل كان كل همي هو تكديس صندوق كبير بمحصول التين والإنطلاق به نحو السوق.

عاودتني كلماتها وأحسست وأنا أقف أمام الصندوق انني أخون عهدا قطعته على نفسي وعلى جدتي بأن يكون هذا التين للفقراء .. لكنني عاودت سؤال نفسي .. الست فقيرا .. ؟ ألست أولى بهذا المال .. تخيلت نفسي اشتري قصص جرجي زيدان والمغامرات البوليسية ، تخيلت نفسي وأنا اكدس الدراهم وأقسمها على مشاريع من وحي الخيال ؟ حملت الصندوق ووضعته فوق السطح ؟ كي أنزل به للسوق في الصباح الباكر.. ونمت ليلتي تلك وأنا أحلم بالثروة والرخاء .. قدرت مع نفسي المحصول في ثلاثين كيلوغراما

((….الكيلوغرام بثلاث دارهم فيكون المجموع تسعون درهما .. إنه مبلغ غير كاف لشراء قصبة صيد محترمة ؟ طيب ثلاث دراهم غير كافية لنقل أربعة دراهم للكيلو بهذا الشكل أشتري قصبة صيد متوسطة وأتصدق بالباقي لأفي بعهدي لجدتي .. هذا أحسن .. لا لا .. القصبة ستفضحني .. أكيد ان أبي سيسألني من أين أتيت بها ؟ لنحافظ على المشروع الأساس .. القصص والكتب أسهل للإخفاء ولن يراها ابي وهي إستثمار مهم .. لأنني سأقرأها ثم أأجرها لأقراني في الفصل .. طيب لنعيد الحساب .. ثلاثون كيلوغراما .. والكيلو بـ………))

قفزت في مضجعي وأنا أسمع عمي علي الطبال يمر من أمام شرفة البيت .. وهو يدعو الناس للسحور .. فتحت النافذة وتسللت للشارع المظلم رأيته مسرعا في خطواته و كنت حافي القدمين .. لحقت به مع ثلة من صغار الحي حاولنا دق الطبل معه فرفض ونهرنا ..فلما كررنا الطلب رضخ لنزوتنا الطفولية البريئة .. ثم انغمس في ظلام الحي مؤديا لواجب سيتقاضى أجره يوم عيد الفطر من زكاة الصائمين ، دريهمات قليلة أو بضع هدايا عينية من قمح وحلوى منزلية الصنع ..

آه .. عليك يا زمن .. عد أرجوك وحررنا مما اصابنا من عطل في قيمنا وصحح مسار بوصلتنا .. إننا نغوص في بحر لا ندرك مسالكه .. وكم كنا بك يا زمن الأمس الجميل نتقن المشي بثبات ..

******

استقر رأيي على بيع الكرموس والتصدق بثلث المبلغ للمسجد واستغلال الباقي لشراء القصص البوليسية .. فتحت باب الحجرة فكان والدي يستعد لمغادرة البيت للعمل .. كانت الساعة حوالي التاسعة صباحا وقد تسللت شمس صيفية إلى فناء المنزل .. لمحت عيني صحون السحور فوق المائدة ، اشتهيت بعضا مما رأيت ثم ذكرت نفسي :

– اللهم إني صائم كان الصندوق ثقيلا وزاد من ثقله قدرات الندى التي بللت الكرموس حاولت جره فلم أفلح لمحت عربة يجرها حمار في طريقها للسوق .. طلبت من صاحبها أن يسمح لي بحمل الصندوق .. فقايضني مقابل ذلك بكيلو غرام من التين قبلت العرض مرغما وأنا أقتطع الكيلو من حسابات الليلية.

– بشحال الكرموس أولدي – 4 دراهم آ شريف – بزاف .. بزاف .. ب 3 تبيع .. – بسم الله – واش ما عندك بلاستيك .. – مازال آشريف .. – ما شي مشكل .. حطوليا هنا أدركت ان الأمور لن تسير كما كنت أشتهي .. فغيرت للتو من تكتيكي – بشحال الكرموس آ الولد – خمسة الدراهم أ لا لا – يا لطيف بزاف .. 4 دراهم باركا عليك

– بسم الله آ الشريفة تمكنت من بيع ثلثي الصندوق في أقل من ساعتين .. أحسست بالسعادة تغمرني وأنا أكرر عد النقود .. قمت بتحويل الأوراق المالية إلى قطع نقدية وأنا أستعد لإكمال الواجب الكرموسي العظيم وفي لحظة .. رايت البائعين يجمعون معروضاتهم ويهرولون هاربين سألت احدهم لماذا الهرب – هرب هرب أولدي .. الشاباكونيا ماجيين .. ( الشاباكوني في لغة أهل طنجة تعني عنصر القوات المساعدة ) – يا لطيف على مصيبة هاذي حملت صندوقي وهرولت مع الناس .. أحسست بيد تمسك بكتفي .. كان عنصر القوات المساعدة .. رجلا طويل القامة .. أسمر اللون في مقتبل الشباب .. حاولت التخلص من يده فكان يزيد من الضغط على حزامي رافعا رجلاي إلى الاعلى فكنت أمشي خطوة وأطير خطوات في الهواء وقد التهمت مؤخرتي معظم سروالي.

– بعد يدك مني .. شنو عملتلك .. – سكوت لمك .. واش ما كاتعرفش بلي البيع والشرا فالسوق بالقوانين ضربني رفس ما تبقى في صندوقي من كرموس لكنه لم ينجح في اقتيادي للدائرة فقد قررت التضحية بالصندوق وأكياس البلاستيك للحفاظ على المال الذي كان في جيبي ..

كلما أذكر أنني فعلته هو أفتح فمي والإجهاز عليه بعضة لا أخاله نسيها إلى اليوم .. صاح بأعلى صوته – كتعض أولد الحرام .. أطلق ..أطلق كان يضربني بعنف .. فكنت أزيد من غرس أسناني في راحته إلى أن أطلقني .. فقلت للرياح هات ما عندك إني فوقك أطير.. كنت أجري مثل المجنون رأيت في طريقي نساء يبكين بضاعتهن التي رفست .. ربطات من القزبر والنعناع .. وبضع محصول من البصل والثوم .. هو كل ما يملكن .. فيما رأيت إحداهن تندب حظها وهي تصيح – اليوم مرت با تذبحني .. اليوم نهاري .. شتتو ليا الحمص الله يشتت ليهم الشمل – آ ختي .. ما كاين مشكل .. شحال كنت مش تبيعيه ..

– بالقليلة .. 20 درهم أخرجت ما بجيبي فلم يتجاوز كل المبلغ السبعون درهما .. إقتطعت منها عشرون درهما لتلك المسكينة .. وعدت للبيت وقد حفرت هذه الحادثة في قلبي ألما لن تمحوه السنين .. دخلت البيت من بابه الخلفي وكانت الساعة تناهز الثانية بعد الظهر .. كان المنزل يعبق برائحة الكرافس والكل منشغل.. نهرتني أختي مرتين قبل أن تشتكيني إلى جدتي التي طلبت مني أن أخرج وأتوقف عن المشي فوق الأرض المبللة .. فلم أجد مهربا سوى سطح المنزل .. الذي نصبت فوقه خيمة صغيرة واستغرقت في سبات بعد ليلة بيضاء لم أذق فيها طعم النوم.. جلست على طاولة الإفطار .. كنت على غير عادتي صامتا .. أخفي بعض الخدوش في عنقي .. حاولت أن أتفادي ان تلتقي عيني بعين والدي .. لأنه كان خير من يقرأ أساريرها ..

– واش ما كاين كرموس اليوم (( سأل أبي )) – علاش ما كاينش .. (( أجابت جدتي )) سير أولدي قطع شي شويا خرجت لأقطف بعض الثمرات وأنا أعلم أنني أنشد المستحيل .. فعدت بيد فارغة .. فاعتقد الجميع أن اللصوص تسللوا وسرقوا التين من الأشجار .. اعتقدوا وتداولوا الأمر وصدقوه .. إلا جدتي التي ظلت صامتة وهي تبادلني نظرات حنونة كانت كستار حديدي يقيني عقوبة لن يتحملها قلبها الرؤف.. ولما خلت بي قالت بزمجرة وغضب

– نفضتي داك الشجيرات أولدي الله يخليك بالخلا .. سير الله يلعنها ماركا رحمها الله وأسكنها وجميع أمواتكم جناته النعيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.