بين العصر والمغرب سيرة ذاتية شيقة – الحكاية الثانية “محلبة السعادة”

آخر تحديث : الأحد 12 مايو 2019 - 5:23 مساءً
2019 05 12
2019 05 12

بين العصر والمغرب  سلسلة قصصية للصحفي والقاص المغربي محمد سعيد الوافي ، نظرا للنجاح الباهر الذي حققته  . تعيد زايو سيتي نشرها لمن فاتته فرصة  الإستمتاع بها

 

الحكاية الثانية : محلبة السعادة

مع دخول شهر رمضان قرر أبي أن يغير من تكتيكه العسكري معي بأن خصص ميزانية بسيطة لمصروفي الشخصي أسوة بما كان يفعله مع باقي أخواتي.. لم أفهم بادئ الأمر معنى هذا التحول الكبير في العلاقات بيني وبين الباب العالي, لكن بادرة حسن النية هذه أسعدتني لأنني سأتمكن من توفير بعض المال للعطلة الصيفية , دون الاضطرار لخوض إضراب عن الطعام أو عصيان مدني لإرغام والدي على تقديم بعض التنازلات المالية ..

كنت في الثالثة عشر من عمري وقد أبت الظروف إلا أن تجعلني أطور كل حواسي الدفاعية في مواجهة القمع الأبوي والحرمان من الأشياء هي بيد أبناء اليوم كما لو كانت من البديهيات ولذلك كانت كل المخططات تنام في ذهني ولا أتحدث عنها إلا عندما أشرع في تنفيدها .

ولأنني لم أثق كثيرا في هذا التقارب الدبلوماسي المفاجئ فقد قررت أن أستثمر مصروفي الأسبوعي في مشروع تكون له مردودية أكبر من مجرد ترك النقود في المخبأ.

– العزيزة .. الله يرحم والديك .. راه الخدمة ماشي عيب – كيفاش ما شي عيب آولدي .. وأنت باغي تشري سلوم وتبدا دور به فالزناقي – وا ما شي باش نصبغ الحيوط .. وراني غادي نخطط و نرسم .. نكتب الأسماء ديال الحوانت والقهاوي – إيوا وإذا عرف باباك بهاذ الشي شنو غادي تعمل معاه .. ؟ – وا مغديش يعرف .. وزيدون أنا راجل ..وهو خاصو يفهم – أسكت .. قال راجل .. قال .. آشمن راجل أولدي .. سير .. سير الله يثبتنا على الدين

****** كنت أعرف أن قضية شراء سلم قد تضطرني لتقديم بعض التضحيات . فحملت قصبة الصيد وبعض الأحذية القديمة وسراويل والدي العتيقة واتجهت نحو الجوطية ( سوق البضاعة القديمة ) كانت الجوطية يومها لا تزال في مكانها القديم بالسوق البراني ( السوق دبارا ) , كنت أعرف أن عرضها للبيع بالقطعة قد يستغرق مني اليوم بكامله .. فالشهر شهر صيام والناس في انشغال ببطونهم عن الملبس وغيره ..

كانت الطرقات مفروشة بشتى أنواع الفواكه والخضروات والمعجنات من بغرير وملاوي وقريصات وكعك بكل الأصناف فيما تكومت ربطات النعناع على صناديق خشبية هرئة كان الباعة يتفننون في تصفيفها وبين الحين والآخر كانوا يرشونها بزخات من الماء وهم يصيحون ويهللون بمحاسن بضاعتهم ..

وقف أحدهم وقد لبس طقما أنيقا وهو يمسك بيد إمرأة أجنبية شقراء , طويلة القامة .. كان الإثنان بتفحصان وجوه المارة والبضاعة ويتأملان شكل البيوت العتيقة في حي المصلى .. كان الشخص يتولى عملية الشرح والتفسير فيما كانت المرأة الأجنبية تلتقط الصور بكل جرأة , لم يكن الباعة يعارضون أن تصورهم كما لم يعارض الأمر أي من المارة والمتبضعين في السوق .. وفجأة سمعنا صراخ الرجل الذي كان يرافقها فقد أفرغ عليه أحد باعة النعناع نصف صطل من الماء الذي كان يستعمله لغسل الخضروات وتطريتها.

– واش انتينا حمار آ خاي ..ما كاتشوفنيشي واقف ..

– آ لطيف آخاي قداش قلتيها .. وشفتي دبا حكمتي على راسك بالإعدام

– آشمن إعدام المتخلف .. شوف حالتي كيف ولات .. كامل بالما..

– أنا كنت ماشي نطلب المسامحة .. ولكن من بعد الكلمة ديال الحمار إلي قلت .. غادي نوري الدين ديماك شكون هو السيمو كانت المرأة الأجنبية تحاول فهم ما يدور من حوار لكنها لم تتمكن .. ولم يحاول أي أحد تولي مهمة الترجمة.

كان الحديث يسير بسرعة غير طبيعية وكانت النبرات تزداد حدة ثانية بعد ثانية .. فيما تدخل الباعة والمتسوقون من المارة لتدارك مصيبة لا محال واقعة .. فالسيمو معروف بمعاركه الرمضانية الخطيرة .. وهو من خريجي سجن عزاريطو .. والواضح من ملابسات القضية المعروف على الحلقة وقضاتها أن السيمو أخطأ برش الماء وأن الشخص الأنيق مخطأ في وصفه بالحمار .. بلغت المعركة أشدها .. لكنها ما تزال في مرحلتها التسخينية الأولى

– شوف دابا أنا .. خايف من يدي عنداك تهرب مني وتعمل فيك شي عجب

– وراك غالط آ بنادم .. شفتي دبا أنا .. صايم .. ومعايا النصرانيا .. ومبغيتهاش اتخلع ..

– وأنا بغيتها تتفرج فيك وسنانك كتهرسو .. ملي نتوما ما قدرنشي على الشنادل ( الخصام) علاش كتفتحو فمكم .. شفتي بحالك أنا .. ما كنحسشي بهم واش عايشين ولا ميتين .. يا لطيف آخاي العروبيا قهرونا .. طنجة ولات بحال شي زريبة .. تفو ..

كنت أتأبط بضاعتي وأنا أتابع بكل انتباه أحداث المعركة .. وكم كنت في شوق لمشاهدة الشق الأهم وهو التشابك بالأيدي ..كان الجميع يردد عبارة .. رمضان هذا .. اتقوا الله .. لكن الواضح أن المتشاجران كانا من المدخنين وأن الحالة قد بلغت معهما الذروة ..وما أن مد السيمو يده على الشخص الأنيق .. حتى صرخت المرأة الأجنبية بعبارات غير مفهومة وفي لحظة التقطت السيمو من حزامه ورفعته كدمية وألقت به نحو أكوام النعناع .. توسعت الدائرة حيث لم يعد هناك وقت للوساطة أو التدخل .. ثم إن الإشتباك اليدوي جاء على غير ما كنا نتوقعه ..حيث أننا لم نتصور أن تتدخل المرأة الطويلة الحمراء الخدين الشقراء الشعر بحركات الكاراطي وكأنها ابنة عم بروسلي.

وقف السيمو محاولا الثار ..

– كتغدرو .. كتغدرو

كانت المرأة تقف دون أن تتلفظ بكلمة واحدة .. وما أن وصل السيمو بالقرب منها محاولا تهشيم رأسها بعصاة غليظة .. حتى رأينا العصا تطير بينما تلوى المسكين على الأرض وهو يصيح ألما والسوق كله يضحك ويقهقه ..

تفرق الجميع بعد تدخل رجال القوات المساعدة ( الشاباكونية ) الذين لم يكونوا في حاجة لشهادة الشهود .. فبمجرد وجود إمرأة أجنبية فإن الأمر كان كافيا لإدانة كل الشعب المغربي وإنصافها .. وبالفعل اقتيد السيمو كالخروف وهو يصيح ويلعن .. ويوصي الدكاكين المجاورة بتفقد بضاعته تركت حي المصلى بعد أن ضيعت أكثر من ساعتين في متابعة هذه الحادثة .. ثم بدأت أشق طريقي نحو الجوطية من جهة فندق المنزه وصلت السوق البراني فكان في أبهى احتفاليته برمضان .. وقد انتشرت موائد الشباكية والتين المجفف والتمور بشتى أنواعها في كل مكان .. اشتهيت الكثير مما رأيت لكنني تعمدت إتمام صيامي ممنيا نفسي ببيع بضاعتي وشراء سلم يسهل علي بدأ مشروعي في كتابة أسماء الدكاكين ورسم ما يطلبه أصحابها بما يخدم مصالحهم التجارية.

لم تكن مهمة بيع الأحذية والثياب بالصعبة فيما تطلب مني بيع قصبة الصيد بعض الوقت إلى أن وقف بالقرب مني شيخ في أواخر الستينات

– السلام وعليكم آولدي بشحال هاذ القصيبة ؟ – سبعين درهم أعمي

– لا .. لا .. هاذي قصبة قديمة .. وماشي صحيحة .. ولكن الماكينة ديالا خاسرة ..

– لا أبا .. خاصيك تشد داك المسمار وصافي .. وكاتعراف شحال دشارغو طلعت بها .. العام لي فات طلعت بها بياسا فيها 11 كيلو – تبارك الله عليك .. ولكن هاذ القصبة ما شي ديال 11 كيلو

– وا يمكن شي 6 كيلو .. – أو جوج كيلو .. كان الشيخ يمزح معي وهو يضحك .. أحسست منه بعطف وحنو .. – وا شنو غادي تعمل بالفلوس – غادي نشري سلوم .. – علاش آولدي – باشي نرسم فالحيوط .. ونكتب الأسماء ديال الحوانت والقهاوي – آه يعني .. خطاط ورسام ؟ وكتمشي للمدرسة ؟ – آه .. ولكن دابا العطلة قربت – إيوا مزيان .. مزيان .. ما فيها باس .. هكذا غادي تتعلم تخدم على راسك.. الله يرضي أوليدي

***** حملت السلم على كتفي .. ولم يكن ذلك بالأمر السهل .. وباليد الأخرى أمسكت بحقيبة وضعت فيها بعض انواع الصباغة وفرشات بأحجام متعددة .. كنت أرفع رأسي وأتفقد حالة الخطوط بالدكاكين ..

– آ الشريف .. السلام عليكم – وعليكم السلام آو لدي .. آش حاب الخاطر – واش تبغي .. نعاودلك الكتابة ونرسم لك فالجاج ..شي بقرة مزيانة ؟ – و أنت كتعرف ترسم ؟ – آه .. أرا شي ورقة .. نرسملك شي حاجة وتشوف – هاك .. رسملي راس معزة تعاقدت مع صاحب المحلبة أن ارسم له بقرة على زجاج محله .. وأن اكتب على الحائط بخط كبير .. محلبة السعادة. لم استوعب العلاقة بين المحلبة والسعادة .. لكنني تعمدت عدم مناقشة الشخص في اختياره لإسم دكانه طلبت منه مبلغ خمسين درهما مقابل ذلك .. واشترطت عليه أن يعطيني عربونا قدره خمسة عشر درهما .. – ما غانعطيك والو – علاش آ الشريف .. وباش ماش نشري الطلا ( الأصباغ ) .. وما شي معقول – الطلا أنا نشريه ليك ولكن فلوس ما كاينش حتى تكمل – لا والو .. ما غانتفاهموش .. تخلص 15 دراهم دابا و 35 ملي نكمل .. بغيت ؟ .. تبارك الله .. أو خليني ندبر على راسي.. يا الله بالسلامة – آجي .. آجي .. صبر .. ماش نعطيك 10 دراهم ونشري لك الصباغة .. – آ الشريف .. صلي على النبي .. – اللهم صلي على الحبيب – قلتلك .. 15 دراهم دابا .. و 35 ملي نكمل .. وصافي

بدات في العمل .. فيما تجمهر الأطفال حولي و كنت أقف على رأس السلم بقدمين نحيفتين وشعر أشقر أشعث وقد لفحت وجهي شمس حارقة من كثر التجوال والترحال.. بين الأسواق والأماكن.

خرج أصحاب الدكاكين المجاورة .. وكل يبدي رأيه في رأس البقرة ورجل البقر وأذن البقرة . – آ العايل .. وهذاك الرأس ديال الضبع ما شي بقرة .. البقرة خنفورها كبير – آ الشريف حتى نكمل وغادي تشوف الفرق – وباين من الأول .. ما كتعرف والو .. – اضحك على المعلم الحسين وطلع يوسخلو الحيوط .. ( الحيطان ) – نتا بعد لي كتهضر .. شوف غير الإسم ديال الحانوت ديالك .. ما بقا باين فيه غير حرف واحد .. – خدم .. خدم .. وسكوت .. عندك نجي نطيح باباك من داك السلم على راسك حاولت إقناع صاحب المحلبة أن الرسم يبدأ بالتخطيط ثم الألوان .. كانت وجنتاه محمرتان وهو في أشد حالات القلق والتوتر بسبب سخرية أقرانه منه .. – واش دبا عاجبك هادشي .. ضحكتي عليا الحومة – علاش .. ؟ أنا ما زال ما بديت نطلي .. صبر حتى نكمل ويلا ما عجبكشي .. نمسح ونعاود .. – آ ويلي وحدي .. شنو عملت .. شكون سلطك عليا .. واش هاذا راس ديال بقرة أو لا .. راس ديال وحش النهر .. شوف العينين كيفاش عاملين… – آ الشريف .. و مكيبانش دبا .. حتى نعمل الصباغة .. – وعلاش ما بدتيش بالإسم .. اكتب في الأول ” محلبة السعادة ” ومن بعد كمل البقرة – سمع الشريف .. غادي تخليني .. نكمل ولا .؟!. باين ليا ما غاديش نتفاهمو.. المهم أنا كملت اليوم .. غادي نمشي لدارنا نفطر ونرجع غدا فالصباح إن شاء الله – وخا .. ولكن غادي تخلي السلوم والصباغة هنا – خاليهوم.. عدت إلى البيت .. وكنت منهكا .. جلست مع الأسرة على طاولة الإفطار .. سالني أبي اين كنت طول النهار .. فأختلقت سببا غير مقنع .. سألني ما هو مصدر الألوان في أصابعي ووجهي فقلت له أنني كنت أرسم مع أصدقائي .. وكان يعلم مدى شغفي بالرسم بل وكثيرا ما شجعني عليه .. لكنني لا أعتقد أنه كان يتصور أن إبنه الذي لم يتجاوز الثالثة عشر من العمر قد فتح مشروعا لهذه الهواية والهدف هو توفير بعض الدراهم لصرفها على كماليات كان يرفض توفيرها إما عقابا أو لضيق ذات اليد.

أما أنا فقد سكنت للنوم وأنا أفكر في موضوع البقرة التي أرسمها .. وكيف علي أن أقنع صاحب المحلبة أن الرسم هو ألوان وظلال وخطوط .. ثم كيف أتصرف مع جيش العجائز الذين يتدخلون في كل شيء ويزيدون تعقيد الأمر علي ..كنت أدرك أن نجاحي في الدكان الأول سيمكنني من إيجاد فرص أخرى مع دكاكين غيره .. وكنت مطمئنا للحي لأنه بعيد عن طريق والدي والأماكن التي يمر منها .. وبهذا أضمن سلامة العملية على الأقل إلى أن أعوض ثمن السلم والأدوات وبعض المال ..

كانت الشمس حارقة .. وشوارع طنجة شبه قاحلة ..فالساعة لم تتجاوز التاسعة صباحا وتلك كانت عادة أهل المدينة في شهر رمضان الكريم حيث لا تدب الحياة إلا عند منتصف النهار .. كنت أمشي وأنا أجر قدمي بتكلف وعناء . وصلت إلى محلبة عمي الحسين فوجدتها مقفلة فطرقت الباب لوقت طويل دون جدوى. وإذا بباب أحد المنازل يفتح فجاة ويطل منه رجل أشعث الشعر وهوشبه شبه نائم

– آ بنادم خالينا نعسو .. مالك صبحتي كتهرس فالباب بحال الجنون – الله يرحم والديك آخاي فوقاش كيفتح الحسين – الله اعلم .. باراكا ما تدق..

أقفل باب بيته بعنف وتركني أكلم نفسي فكدت أعتقد أنني أنا المخلوق الوحيد المستيقظ في الحي .. جلست على عتبة المحلبة أنتظر وأنا امني نفسي بالمال الذي سأكسبه .. سرح ذهني الصغير في جرد قائمة الأشياء التي أود إقتناءها .. فبين حذاء لكرة القدم وقميص لفريق ريال مدريد وقصبة للصيد وعجلة جديدة لدراجتي .. اختلط علي الحساب فانطلقت أتجول في الحي بحثا عن دكاكين أخرى , أسماءها ممسوحة أو لا أسماء لها .. وقعت عيني على دكان جزار فوضعته على رأس اللآئحة ثم بعده المقهى الشعبي ودكان آخر فآخر وآخر .. احسست أنني أسير على النهج الصحيح .وان المشروع سيكون ناجحا لا محالة.

بدا النهار ينتصف فرأيت أفواج تجار الخضروات وهم يجرون عرباتهم ودوابهم وهي محملة بمحصولات زراعية من ضواحي المدينة كان بينهم بائع البصل والبطاطا والحمص المبلل فيما تجمهر صيادو السمك على جانب من الطريق وهم يتبادلون عبارات سريعة فهمت منها أنهم يقتسمون صناديق غلتهم الليلة التي جاد بها البحر.. وما أجمله من بحر ذلك الذي يحيط بمدينة طنجة .. التقط أنفي مزيجا من روائح مختلطة فانخرطت في إحساس غريب .. فقررت العودة إلى المحلبة , وما هي سوى لحظات حتى وقف العم حسين وقد أغمض عينا وفتح أخرى .. وهو يستعيذ بالله من رؤيتي ..

– صبحنا على الله ..آسمع .. غير ماش تكمل عليا هاذ شي ليوم ولا ماكاين فلوس – علاش .. ياك قلتلك فالأول 3 أيام .. – اليوم خاصها تتسالا هاذ الروينة … ماكاين لا 3 أيام ولا سيمانا بدات العمل بجد .. وبين الفينة والأخرى كنت أسترق النظر لوجهه لألتقط علامات الرضى .. رأيته يبتسم خفية مع الحلاق وهو يقول له .. – كيعرف يرسم .. راه جن مع راسو .. عطيه يرسم ليك شي راس فالفيترينة..

– والله آ المعلم حتى نطلعو زوين .. كلشي غايجي يحسن عندك – إيوا كمل بعدا المحلبة ويرحم الله كنت أعرف أن الكتابة لن تشكل أي مشكلة لي فقد أحضرت معي ورقا أبيضا كبيرا كان يستعمل لبيع الزبدة بالكيلو وخططت عليه إسم المحلبة بالعربي واللآتيني .. ألصقته على الحائط ونقلت الرسم بسهولة ثم أنهيت صباغتها .. ازداد تجمهر الأطفال بل وحتى الكبار من أهل الحي وتجار السوق وحصل الإجماع على إتقاني لعملي ولم يبقى سوى الإنتهاء من تلوين رأس البقرة وإضافة بعض الظلال – وبقرة .. الله يعطيك الصحة خرج عمي الحسين من محلبته وعلامات الرضى بادية على محياه .. أحسست أنه يخفي شيئا ما .. سلمني ورقة نقدية وهو متردد في الحديث – إيوا الله يعطيك الصحة – الله يرحم والديك آعمي الحسين .. وشفتي قلتلك كنعرف نرسم – وباقي شويا خاصك تتعلم ..المهم .. هاك خوذ هادي 10 دراهم – علاش ..10 ؟!! باقي عندك 35 درهم آ الشريف..إيوا .. باراكة من التلاوي – هاذ الخدمة كاملة ما كتسواش كثر من 25 درهم .. السبانيولي كيعملها أحسن منك وأرخص – وعلاش ما عيطتيها للسبانيولي .. أنا ما غانتحركش من هنا .. نزل 35 درهم ولا .. شوف راه والله حتى تندم – مشي تلعب .. يا الله .. هز عليها السلوم ديالك .. وغبر .. قبل ما نهرسليك باباه ..قال 35 درهم ؟ علاش حنا كنحفرو الفلوس .. حمد الله لي عطيتك الحيط تتعلم فيه

– واخا .. ما كاين مشكل .. عاندك وصافي .. والله فيك لا بقات لن أنسى تلك اللحظات مدى حياتي .. أحسست بالغبن والظلم والتعدي على حقي .. أما أهل الحي والدكاكين المجاورة فقد انقسموا بين مساند لي وبين مساند لصاحب المحلبة .. كل حسب علاقته معه ومصالحه – وعطي للعايل فلوسو .. كروش الحرام ..هادو .. كلشي كيسرق كبير وصغير .. ما بقا فهاذ المغرب شي إنسان معقول – حرام عليك الحسين .. العايل ( الولد ) مسكين من البارح وهو معلق فالقايلا ( الشمس ) كيتشحر .. والله إلا حرام .. هادشي ما كايبغيهش لا الله ولا العبد – وباراكا عليه ..باقي صغير ..وزيدون راه عطاه 25 درهم شنو بغا كثر – هاذ الحسين أولدي سراق .. لوكان جيتي عندي فالأول كون ما خليتك تخدملو .. واش ما كتعرفش شكون الحسين .. هذا واحد كيموت على السنتيم .. سير الله يخلف عليك..سير وبعد من الصداع والمشاكل

تجمهر الناس من حولي وأنا في الوسط بين صراخ وشكوى .. وكنت أتلفظ بعبارات تكبرني بسنين كثيرة .. إختلقت لهم قصة أبي العجوز المريض وعشرة أخوة لي أنا أكبرهم ومعيلهم .. وكنت بين الفينة والأخرى أرفع يدي للسماء وادعو على صاحب المحلبة بأقبح وأخبث الدعوات وبينما أنا كذلك وقف عنصران من عناصر القوات المساعدة ( الشاباكونية ) وهم يتمنطقون بزراويطهم ( العصي ) الممدة على طرف من حزامهم كذيل فأر أجرب .. سألني أحدهم بصوت بح ..

– شكون المعلم ديالك .. آ العايل ؟ – ما عندي معلم .. أنا المعلم .. وأنا لي رسمت لهاذ خينا فالحيط وما بغاش يكملي فلوسي – وشحال تفاهمتي معاه ..؟ – 50 درهم آ الشاف .. عطاني منها 15 دراهم ديال العربون وزادني 10 وحلف ما يكمل لي الباقي – خليك هنا ما تحركش دخلا إلى المحلبة .. وبين حديث وقهقهة .. رأيت الحسين يلف لهما بعض المعجنات ويصب لهما الحليب الرايب في قنينتين .. وهما يطلبان المزيد حملا ما حملاه من بضاعة دون أن يدفعا اي أجر مقابلها ثم خرجا وقد تغيرت لهجتهما معي – آسمع آداك ولد الحرام .. عند باباك دقيقة وحدة إلا ما فرقتيش عليا هاذ الجوقة ..غادي ندي يماك باش تربى – وهاذا الظلم .. وحقي..آ الشاف .. ؟ – قلتلك سير تحرك ولا غادي تندم .. با الله خوي

*******

عدت للحي وانا منكسر اصارع دموعي باسى وحسرة – سمع آخاي سعيد .. الفترينا ما غاديش تقدر تقربلها..ولكن الحيط ..شوه باباه مزيان – ولكن أخاي العربي .. الليل والظلام .. والناس فالحومة – ولا آ صاحبي .. خلي حتى من بعد السحور كلشي كيمشي ينعس .. انا غادي نضوي ليك .. وانتا طلع بالزربة .. خلط لباباه داك الراس ديال البقرة وخربق ليماه الكتابة .. باش يتربى

– وإذا حصلونا ..؟ غادي يديو السلوم والصباغة .. ونزدق أنا خاسر – آصاحبي وافهم ..قلتلك بنادم كامل كيمشي يتصهط ينعس مع السحور .. شكون لي شافك؟ جلست على مائدة الإطار وقد احمر وجهي من فرط الشمس الحارقة .. كنت أشرب الماء كثيرا .. بينما لم أتلفظ بكلمة واحدة .. إجتمعت بداخلي كل معاني الإحتقار والظلم ..عادت بي الذاكرة لمنظر رجال القوات المساعدة وهم يساومون الحسين باسم السلطة والقانون .. تمنيت لو استطيع شكواهم لوالدي أو خالي لكن الأمر بدى مستحيلا فذلك من شأنه أن يعرضني لمصيبة اكبر .. وفي خضم ساعات غفوتي بين النوم واليقظة سرح خيالي الصغير في استحضار أبشع أنواع الإنتقام .. تخيلت نفسي شابا يافعا مفتول العضلات ورأيت نفسي وانا أسدد اللكمات للحسين وهو يصرخ ويبكي وأهل الحي يستعطفونني لإخلاء سبيله… ثم بعد لحظة شطح خيالي بعيدا ..بعيدا جدا .. اكثر مما يستوعبه العقل. تخيلت نفسي إبنا للملك وقد أحاط بي رجال الأمن والجادارميا والحرس وأنا استخلص نقودي من الحسين اللص..رأيته في الخبال يبكي وهو يصيح ويقبل يدي

– والله ما عرفتك آ سيدي – ولكن .. ماشي ضروري تعرفني ولد الملك آ السراق ..راه الحق حق .. وخا نكون ولد الشعب كان لازم تعطيني حقي .. – أنا فعارك أسيدي ..والله ما نعاود.. هادي والتوبة وفجأة إستضبعت نفسي واحتقرت مخيلتي .. فكيف أكون إبنا للملك واتسلق على السلالم لأرسم رؤوس البقر على الحيطان ..إكتشفت أن رغبتي في البحث عن نصيركانت أقوى من المنطق وتتجاوز حدود المعقول .. انطلقت من جوف صدري تنهيدة قوية غمرتني براحة وهدوء بعد أن أشفيت غليلي في الحسين اللص في الخيال..

خاصم النوم عيني وأنا أنتظر وقت السحور .. فلم أخرج للحومة للسمر مع الأقران واكتفيت يالإتفاق مع العربي على موعدنا بعد السحورلتنفيد الخطة .. خطة أحكمنا ترتيب فصولها بكل دقة وقد زادنا إيماننا بعدالة قضيتنا يقينا وثباتا. كان العربي يحمل المصباح اليدوي ..فيما وقفت على رأس السلم وأنا أحول رأس البقرة إلى رأس خنزير. لم يتطلب الأمر مني سوى تعديلات بسيطة فقد مددت شكل الأنف وغيرت ألوان الفروة واضفت بعض ما كنت أتقنه من صور تسكن ذاكرتي , كنت أرسم بسرعة جنونية وأنا أنظر يمينا ويسارا ..خوفا من سيارة الشرطة أو دورية للحرس .. وفي لحظات كان رأس البقرة قد تحول إلى رأس خنزير يبدو أن أمه توحمت على ثور لكنه كان بالفعل رأس خنزير ..وتحت الرأس كتبت عبارة .. الحسين بائع الحلوف .. أما الكتابة فكانت أسهل إذ حولت عبارة محلبة السعادة إلى محلبة الشحادة حيث غير شكل حرف العين إلى حاء وأضفت ثلاث نقاط على السين .. بينما تركت الحروف اللآتينية على حالها ..ونزلت من السلم وأنا أكاد أطير من السعادة ..

ساعدني العربي على حمل السلم ووضعه فوق سطح بيته .. كانت الشمس قد بدات خيوطها الذهبية تتسلل للحي النائم ثم إتفقنا أن نكون جيشا من ابناء الحي كبارا وصغارا ونذهب عند صاحب المحلبة قبل الظهر..للتفاوض على ما تبقى من الأجرة إن هو اراد تصحيح الوضع المزري الذي بات عليه حائط محلبته

******

– آسمعو والله وما مشيتو جتى نعيطليكم للبوليس – وخا .. وقول للبوليس يبدلو ليك داك الراس ديال الحلوف إلى فالحيط – آشمن حلوف .. أولاد الحرام – مسكين .. عور .. ما كتشوفش .. حنزز مزيان فالتصويرة ديال البقرة – آش كاين مالها البقرة.. والله وقربتي ليها حتى نقطع لباباك يدك – وا البغل .. ماشي التصويرة إلي فالفيترينا ..علي عينك للحيط آ الشفار كنا نكلمه من الطرف الآخر للزقاق ..فيما كان هو يحمل بيده قضيبا من حديد وهو يتوعد نا بشتى أصناف التهديد .. وما أن وقعت عينه على صورة رأس الخنزير .. حتى أصيب بذعر ما بعده ذعر ..فيما تنبه لها أصحاب الدكاكين وبائعي الخضروات وجمهور المتفرجين .. فانطلق الجميع في الضحك والتهكم والتشفي ..

– مزيان فوالديه .. كروش لحرام هادشي لي كينفع معاهم – عبرتي على باباه – الله .. سيرو أولداتي الله يعطيكوم الصحة .. – إيوا دبا شوف شكون .. يرسمليك أولد الحرام .. حاول التفاوض فاشترطت عليه أن يدفع 100 درهم ..كنت أفاوضه عبر وسيط من بعيد فقد كان ابناء الحي حولي وكلنا نحمل الحجارة وعلى استعداد للهرب في أية لحظة .. – آسمع 35 درهم كانت البارح ..دبا خاصني نخلص هاذ العواول كاملين كل واحد 2 دراهم ..وزيد عليها الصباغة والخدمة.. – آسمع .. والله وما صلحتيها حتى نجيبلك المخازنية .. – يا الله .. ما كاين موشكيل .. جيب المخازنية .. وهما يرسمو .. أسمع والله وما تنزل 100 درهم .. دابا .. وغادي نجي .. نبدلها فشي ساعة ما غاتكونش أنتينا موجود واش فهمتي؟

– ومشيو تنقزوا .. الله لا يرسم شي حيط .. مناقص ..دعيتك لله مسك صطل الجير وأخرج سلما من أحد الدكاكين وبدأ يمسح الفضيحة من حائطه وقد تحول إلى مهزلة في الحي .. لم يجرؤ أي من أصحاب الدكاكين أن يتعاقد معي لرسم اي شيئ على حائطه أو زجاجه .. فتأكدت أنني ارتكبت أفدح خطأ بفتحي لهذه المعركة . فلولا الفضيحة التي تسببت له فيها لكنت قد رسمت كل الحيطان ..ولكن .. تلك هي الطفولة .. وتلكم كان منطقها مرت الأيام .. والسنين .. ووقفت بمسجد الحي ذات يوم جمعة وأنا في منتصف العشرينات من عمري لأصلي الظهر جماعة .. فنادى المنادي .. جنازة رجل .. سالت من بجانبي عن إسم الميت فقيل لي إنه الحسين صاحب محلبة السعادة ..إقتربت من النعش .. وعيني تدمع وهمست – سير أعمي الحسين .. الله يواليك برحمة الله ويجعلك من سكان الجنة والله يسامحك دنيا وآخرة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.