الدكتور أيمن بوبوح
قبل ثماني سنوات بالضبط، يوما بيوم، إنتفض المغاربة ضد ما كان يسمى بالفساد والإستبداد وإنقسم الشعب إلى مؤيد لحركة عشرين فبراير ومناهض لها إعتقادا منهم بأنها حركة أرادت زرع
الفتنة وزعزعة إستقرار البلد … كنت من مؤيدي فكرة هذه الحركة كونها الوحيدة التي إستطاعت توحيد أكبر عدد من هذا الشعب للتعبير بوضوح وفي الشارع وبطريقة سلمية بأنه لم يعد يتقبل الخلط بين السلطة والثروة وبأنه لم يعد يحتمل الفساد والإستبداد الذي ينخر فينا منذ عقود ويؤخرنا بسنوات ضوئية عن دول كانت مثلنا تماما …
وكنت في نفس الوقت متوجسا من الطريقة التي توجه بها الحركة بين إيديولوجيتين متعارضتين تظهر ما يجمع المغاربة وتبطن ما كان بإمكانه أن يفرقهم … ولحسن الحظ في ذلك الوقت … أو لسوءه الآن … اتجه البلد نحو تعديل دستوري وانتخابات نزيهة اكتسح فيه الحزب الوحيد الذي كان يعول عليه الكل آماله لمواجهة الفاسدين والمستبدين الذين عرفوا فيما بعد في اللغة البنكيرانية العفوية بالعفاريت والتماسيح.
الكل يعرف ما حدث بعد ذلك … فهم الناس بأن المغرب مصاب بسرطان سياسي لن ينفع معه حزب كالعدالة والتنمية الذي غير كلماته كما يغير الطبيب الجراح كلامه بعد خروجه من غرفة العمليات حينما اكتشف بأن السرطان قد انتشر.
من وزراء العدالة والتنمية من أصبح تمساحا، ومنهم من أصبح عفريتا، ومنهم من مسخ خنزيرا … ومنهم رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه … منهم من قضى نحبه كسي عبد الله باها ومنهم من ينتظر في بيته
وخلفت هذه التجربة إستياءا كبيرا لدى الناس وخلف سقوط رموز الإصلاح الممنهج إحباطا كبيرا في نفوس المغاربة وإشمئزازا مما وصلنا إليه بعدما كنا مثالا يحتدى به بين الدول التي عرفت كيف تواكب ما كان يسمى بالربيع العربي
أظن أن المواكبة الحقيقية لهذه المتغيرات الآن والتأقلم السليم لما مررنا به في الظل التفاهة والسفاهة المهيمنة ليس له إلا سبيل واحد، وهو القراءة الجادة والموجَّهة، وذلك بعد التخلص من العدو الأكبر الذي تحدث عنه نابليون هيل في كتابه Outwitting the devil، ألا وهو الكسل، هذا العدو اللذوذ الذي أصبح سلطانه على الناس يتعاظم يوما بعد يوم، حتى جعل البعض منهم يعتقد أن بإمكانه القيام بثورة ثقافية وفكرية وسياسية، فقط من خلال توزيع الإعجابات على الفيسبوك؛ ذلك الصنف من الناس الذين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها على مواقع التواصل الاجتماعي، فإذا استجد أمر يستدعي منهم وقفة حقيقية، أو الإسهام في الدفاع عن قضية شائكة، لم تجدْ لهم أثرا، ولم تسمعْ لهم ركزا، وهذا الصنيع منهم مشمول بالـمَـثَل المضروب في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ ﴾ الرعد/ الآية
في كتاب لنعوم تشومسكي : How the world works … أعجبني مقتطف يلخص كل ما قيل عن التغيير … يقول تشومسكي وهو يبدأ بمقولة لكارل ماركس:
< "إن مهمتنا ليست فقط فهم العالم بل تغييره". وهناك بديل يجب أن نأخذه في عين الإعتبار وهو أنك إذا أردت تغيير العالم، فمن الأفضل أن تفهمه. هذا لا يعني الاستماع إلى حديث أو قراءة كتاب فقط، بالرغم من أن ذلك مفيد في بعض الأحيان. لكننا نغير العالم من خلال المشاركة الفعلية، حينما نتعلم من التجارب التي نقوم بها ومن الأشخاص الذين نحاول تنظيمهم وتوجيههم نحو هدف معين. فهم العالم وتغييره يأتي من الخبرة في صياغة الأفكار وتنفيذها. >
الفهم يأتي بالقراءة والمطالعة … والفهم والتغيير معا يأتيا بالمشاركة الفعلية المدروسة والإنخراط القوي في الأعمال المؤسساتية سواء كان مشروعا إعلاميا أو مقاولة إجتماعية أو منظمة إغاثية أو نادي فكري أو جمعية ثقافية أو نقابة أو حزب سياسي … الكسل والإحباط أفرغ هذه المؤسسات التي تغير فعليا من الكثير من الأخيار وجعل شرارهم يتولون أمورهم تاركين لهم حق الخروج في مظاهرات أو التصويت لحزب معين … وإن كان هذا ضروريا أيضا … لكنه ليس كافيا







