الهروب من دار العرس

آخر تحديث : الثلاثاء 22 يناير 2019 - 4:49 مساءً
2019 01 22
2019 01 22
بقلم: جمال بدومة
بقلم: جمال بدومة

أسوأ شيء يمكن أن يحدث لبلاد ما، هو أن تتحول في عيون أبنائها إلى قاعة انتظار كبيرة، مجرد محطة مؤقتة قبل الذهاب إلى بلدان أخرى. ويكفي أن تنصت إلى حديث الناس في المقاهي، وتتناقش مع الأصدقاء والمعارف من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية، وتقرأ ما يكتب على وسائل التواصل الاجتماعي، كي تكتشف أن هوس الهجرة إلى الخارج أصبح يسيطر على عقول المغاربة مجددا، بعدما خف تدريجيا خلال العقدين الأخيرين.

شباب وكهول، نساء ورجال، عاطلون وموظفون… كلهم يفكرون في مغادرة المغرب نحو بلدان أقل قسوة وأكثر أمانا، خصوصا بالنسبة إلى مستقبل الأبناء. فضلا عن بعض رجال الأعمال الذين يهرّبون نقودهم إلى الخارج، ويحولونها إلى عقارات وأملاك وحسابات بنكية، بطرق غير مشروعة في غالب الأحيان، دون أن تطالهم يد القضاء، وتلك قصة أخرى. ناهيك عن انتعاش قوارب الهجرة السرية من جديد، التي تبحر من الشواطئ المغربية في اتجاه الضفة الأخرى، وعلى متنها بؤساء يرفعون شعار: «ملقاك مع الروكان ولا مع الماروكان»!

معظم المغاربة باتوا يعطون الانطباع أنهم مجرد عابرين، كأن صدفة طائشة قذفت بهم إلى هنا، مقتنعون بأنهم قدموا إلى هذه الأرض عن طريق الخطأ أو من أماكن أخرى، وهم هنا مؤقتا في انتظار الذهاب… إلى أين؟ إلى أي «قرينة كحلا». المهم أن يغادروا! من قضوا سنوات محترمة في الغربة، ينتابهم مزيج من الارتياح والحسرة وهم يتأملون مزاج البلاد هذه الأيام. الارتياح لأنهم هاجروا في الوقت المناسب، والحسرة لأن المغرب لا يستحق أن نغادره. كيف لا نتحسر على مصير بلاد تفرغ من خيرة أبنائها؟ لكن الضحالة انتصرت في كل الميادين. إذا كنت ذكيا، من الصعب أن تجد مكانك في المستنقع. الكفاءات تتعرض لحرب إبادة حقيقية في المغرب، مما يدفعها إلى التفكير في الهجرة إلى بلدان تحترم طاقتها. لقد تحولت الهجرة إلى حمى معدية، والحمى في حد ذاتها ليس مرضا، بل إنذارا بوجود أمراض في الجسم، ولعلها تؤشر اليوم، على أربعة أوبئة فتاكة نخرت جسد المملكة خلال السنوات الأخيرة، وجعلت الناس لا يثقون في المستقبل ويخططون للاستقرار خارج البلاد.

على رأس هذه الأمراض، السرطان الذي فتك بالمدرسة العمومية وأدخلها إلى غرفة العناية المركزة، بعدما انتقل بـ»الميتازتاز» (Metastasis) من الابتدائي إلى الجامعة. من الصعب أن نستشرف أي أمل في إصلاح التعليم، ونحن نرى من ائتمنوا على المدرسة المغربية، يرسلون أبناءهم للتعلم في الخارج أو في مدارس البعثات الأجنبية. إذا سجلت أبناءك اليوم في التعليم العمومي، كأنك تخليت عنهم في الشارع أو نذرت مستقبلهم للمجهول، لذلك يريد كثير من المواطنين أن يهاجروا إلى أوروبا أو كندا كي يوفروا تعليما سليما لأبنائهم ويضمنون لهم مستقبلا أفضل.

المرض الثاني، الذي تؤشر عليه حمى الهجرة، هو تدني الخدمات الصحية. المستشفيات العمومية تشبه «الباطوارات»، والحصول على موعد طبي أصعب من الحصول على تأشيرة شينغن، ولا أمل في إصلاح قطاع الصحة لأن من يفترض فيهم ذلك يتعالجون مع أبنائهم في الخارج، كلما ألمت بهم وعكة صحية. المغاربة يريدون الهجرة إلى بلدان تضمن لهم ولأبنائهم العلاج إذا مرضوا، مع تغطية صحية محترمة تراعي كرامتهم ولا تنهب جيوبهم.

المرض الثالث يتعلق بالانحباس السياسي، الذي تعيشه البلاد منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة، وما تلاها من ضرب تحت الحزام، لإخراج عبدالإله بنكيران من المشهد، وإغلاق قوس الـ20 من فبراير. هناك غيوم سوداء في الأفق، لا أحد يعرف كيف ستكون المرحلة السياسية المقبلة، لكن المؤكد أن هناك خطة لجعل «العدالة والتنمية» يتجرع من الكأس ذاتها التي شرب منها «الاتحاد الاشتراكي» بعد مشاركته في حكومة «التناوب»، والسؤال الذي تصعب الإجابة عنه اليوم هو: هل هناك بديل سياسي جدي للسنوات الخمس المقبلة أم أن السفينة بلا ربان؟ المرض الرابع يتعلق بتراجع الحريات، الذي تشهده البلاد بالتزامن مع الاحتباس السياسي. ويتجلى في تقلص سقف حرية التعبير وقمع الاحتجاجات الشعبية، بطريقة غير مسبوقة خلال العقدين الأخيرين. يكفي أن نستحضر أن الزميل توفيق بوعشرين يقضي عقوبة حبسية مدتها اثني عشر سنة، وناصر الزفزافي ورفاقه محكومون بعشرين سنة سجنا! المفارقة أن هوس الهجرة، يعود في الوقت الذي أصبحت فيه بلادنا قبلة لكثير من المهاجرين القادمين من شتى بلدان العالم، بعضهم فر من الحرب والفقر، مثل الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء والسوريين والليبيين وكثير من الأشقاء العرب، وآخرون يأتون من بلدان أكثر ثراء بحثا عن الشمس والمقام الطيب والليالي الملاح، من أوروبا والخليج، يستقرون في مراكش وأكادير وسواهما من المدن السياحية… كيف لبلد مازال يمارس سحره على الأجنبي، ألا يستطيع إقناع أبنائه بالبقاء؟

كي لا يغادره أبناؤه، يحتاج المغرب إلى تعاقد جديد على أسس ثوابته التاريخية، مع تجديد الثقة في الخيار الديمقراطي، والانفتاح على المستقبل، وإدماج كل الطاقات، وفتح نوافذ الحرية التي اغلقت. كما يحتاج إلى حلول جذرية ومستعجلة في مجالي الصحة والتعليم. حينها لن يفكر أحد في الهجرة، لأن «حتى مش ما كيهرب من دار العرس».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.