نظرة في العلاقة بين الدين والسياسة

آخر تحديث : الإثنين 10 ديسمبر 2018 - 9:02 مساءً
2018 12 10
2018 12 10

علال زهري

أصبحت جدلية العلاقة بين “الدعوي” و “السياسي” مبحثا مطروحا للنقاشات والتحليلات الفكرية، السياسية منها والدينية”، منذ برهة من الزمن خاصة بعد تمكن عدد من الأحزاب ذات المرجعية الدينية بعدد من الدول من الوصول إلى سدة الحكم وفشل معظمها من تحقيق ما عجزت عنه الأحزاب الأخرى ذات المرجعيات “الدنيوية” الوضعية. وبتفحصنا للتفكير الرائج في أوساط المجتمعات المسلمة، نرصد اقتناعا صارخا لدى الأغلبية شبه المطلقة بأن تطبيق الشريعة هي الحل الأوحد لتحقيق الازدهار والتقدم وبأن البعد عنها هو السبب الأول في انحطاط الأمة وتأخرها، لكن وبمجرد طرح سؤال حول آلية هذا التطبيق في تدبير شؤون الرعية لا نجد أجوبة دقيقة وتقنية، بل نلاحظ طغيان منطق العاطفة والمثالية المفرطة، غير أن الأدهى من ذلك هو أننا نلاحظ بأن المفاهيم والإجراءات التي تملأ فراغات تلك الأجوبة الفضفاضة هي نفسها المعمول بها لدى الدول الأكثر علمانية في العالم وحتى اللادينية منها، كما أنها نفسها لدى الدول التي توجد بها آلهة بعدد شعر الرأس، فأين يتجلى إذن تميز الشريعة الدينية؟!

بمراجعتنا للتاريخ الإسلامي، نستشف بأن الارتباط الفعلي للسياسة بالدين قد ابتدأ بظهور نظام الملك العضود مع الدولة الأموية الأولى، حيث لاحت في الأفق مفاهيم جديدة كفقه التغلب ومصطلحات كظل الله في الأرض والحاكم بأمر الله وغيرها من المحدثات التي تجعل الحاكم ذو سلطة مطلقة تستمد شرعيتها من السماء لا من الأرض، فصارت طاعته من طاعة الله وعصيانه عصيانا لله وصارت أوامره واجتهاداته غير قابلة للنقد والمراجعة لأنها مقدسة قداسة الدين، وبالتالي فإن من يجرؤ على مخالفتها أو مناقشتها يستحق التعزير والنفي وحتى القتل بتراخيص وبفتاوى رجال دين جعلوا أنفسهم في خدمة السلطة على طول الخط وصار كل دورهم مقتصرا على تبرير تصرفات ولي نعمتهم وإن كانت مخالفة بشكل صارخ لمقاصد الدين وثوابته، فبرروا القتل والتعامل بالربا وشرب الخمر وغيرها من الموبقات التي ثبتت في سير بعض الملوك والسلاطين وذلك بتمحلات وحجج أقل ما توصف به هو البرودة والتهافت.

إن القراءة المتعمقة في كتاب الله تعالى والتمعن العلمي والمتجرد في سيرة نبيه الأعظم صلوات ربنا وسلامه عليه يؤديان إلى نتيجة واحدة لا غبار عليها وهي أن علاقة الدين بالسياسة لا تعدو أن تكون علاقة تأطيرية وليست بالعلاقة السببية، أي أن السياسة تهدف إلى تحقيق المقاصد العامة للشريعة التي هي في حقيقة الأمر مقاصد فطرية وكونية نجد معظمها في مختلف الحضارات والشرائع، فالعدالة والكرامة والحقوق الإنسانية وغيرها من الأمور التي تعنى بها السياسة باعتبارها إدارة للشؤون الدنيوية العامة هي مبادئ لا يختلف حولها البشر في المشرق أو المغرب موحدين كانوا أو ملحدين، وإنما كان الدور الرئيسي للدين عموما هو تعريف الخلق بخالقهم وحثهم على طاعته والإجابة على أسئلة لطالما شغلت العقل البشري منذ القديم حول أسرار الكون وماهية الحياة، فكان الرسل والأنبياء هم حلقة الوصل التي ملأت ذلك الفراغ الروحي والعقدي الرهيب، ليتمكن الإنسان بعدها من فهم الغاية من وجوده وليتفرغ للمهمة التي ميزه الله بها دونا عن غيره من الخلائق والمتمثلة في بناء الحضارة بكل ما يحمله هذا مصطلح الحضارة من مفاهيم ومبادئ سامية بدءا بالعدل وليس انتهاء بالمساواة والحرية وكرامة العيش، فترك له فسحة واسعة جدا من أجل اختيار الآليات والأساليب المناسبة زمانيا ومكانيا التي يحقق بها الأهداف العامة السابقة الذكر في إطار مبدإ عام أيضا أطلق عليه إسم “الشورى”.

فبتتبعنا لآيات القرآن الكريم، لا نجد آية لها مدلول سياسي صريح سوى قوله تعالى “وأمرهم شورى بينهم”، في الوقت الذي نجد فيه في آية أحرى قوله تعالى “ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم” وهي الآية التي غالبا ما يستدل بها لإثبات الارتباط الكلي للدين بالسياسة في غفلة أو تغافل تامين عن مضمون الآية الأولى بالرغم من أن عبارة “أمرهم” وردت في الآيتين معا وذلك في سياق السعة والاختيار في الأولى وسياق الجبر والخضوع في الثانية، وبالتالي فإن الأمران المقصودان مختلفان تماما، فأما في سياق الشورى فعبارة “أمرهم” يراد بها الأمر السياسي الذي يهتم بالحكم وتدبير الشأن العام، أما بخصوص ما ورد في سياق نفي الخيرة فعبارة “أمرهم” يراد بها الأمر المتعلق بالدين والذي يهتم بأحكام الشريعة التعبدية، فالأمران لا تربطهما بالضرورة، من خلال سياقات القرآن ومفاهيمه، علاقة سببية وجودية، بل في الحقيقة إن أحكام الدين تسطر الخطوط العريضة وتضع مقاصد كلية تسعى السياسة للوصول إليها بطرق وسبل قد تقع عليها اختلافات شاسعة كما وقعت منذ عهد الخلافة وكما ستقع دائما مادامت سنة الله في خلق البشر قائمة على اختلاف العقل والرأي. وفي السيرة العطرة للنبي صلى الله عليه وسلم الزعيم الروحي والقائد السياسي ما يفيد باستقلالية الحكم السياسي عن الشرعية الدينية، فالرسول لم يصبح حاكما وقائدا للدولة المسلمة الناشئة إلا بعقد بيعة واضح وصريح تم إبرامه ثلاث مرات خلال الحقبة المدنية التي دامت عشر سنوات أي بمعدل بيعة كل ثلاث سنوات ونصف السنة تقريبا (بيعتا العقبة الأولى والثانية ثم بيعة الرضوان)، وهذا ما يؤكد أن ارتضاء الناس واختيارهم لمن يحكمهم هو سنة كونية لا فصال فيها بغض النظر عن هوية الحاكم وفضله، فنحن جميعا على يقين بأن الرسول الأعظم هو أفضل الخلق أجمعين وأنسبهم لمنصب الحاكم ومع ذلك فإنه احتاج لبيعة الناس لكي تكون لديه بذلك شرعية سياسية غير الشرعية الدينية التي يتوفر عليها كنبي ورسول.

وفي الواقع إن من يقول بأن السياسة هي الدين سيجد نفسه في مأزق كبير وورطة لا مفر منها، إذ أن هناك من الوقائع في تاريخ الحكم الإسلامي ومنذ بدايته مع نشوء عهد الخلافة ما يشهد بحصول خلافات وصلت أحيانا لمراحل متقدمة وعنيفة، فمسألة اختيار الخليفة مثلا، وهي المسألة الأكثر أهمية وتعقيدا في المجال السياسي، لم يرد في الدين بشأنها حكم قطعي، لذلك نجد أن كل واحد من الخلفاء قد تم اختياره بطريقة مختلفة عن الآخرين، فأبو بكر اختلف حول طريقة توليته بين أغلبية قائلة بوصية الرسول إليه وأقلية قائلة بأنه اختير عن طريق الشورى، وعمر تولى الخلافة بعد أن أوصى أبو بكر إليه، ثم جعلها عمر في ستة رجال ليستقر الرأي بينهم على عثمان، وعلي جاء في وضع مرتبك اختلط فيه الحابل بالنابل.. كذلك فيما يتعلق بأسلوب الإدارة والحكم، فإن الاختلافات بين كبار الصحابة في هذا الباب عديدة وبالجملة، وهنا أختم بالواقعة الشهيرة التي وقعت في عهد خلافة أبي بكر الصديق حيث أن هذا الأخير أقطع رجلين أرضا وجعل لهما بذلك كتابا فلما مرا على عمر أمسك بالكتاب ومزقه، فرجع الرجلان إلى أبي بكر وقالا له: والله لا ندري أأنت الخليفة أم عمر؟ فقدم عمر إلى مجلس أبي بكر وقال له: أترى هذه الأرض ملك لك خاصة أم للناس عامة؟ فأجابه أبو بكر: إني استشرت الذين حولي فأشاروا علي ذلك. والسؤال هنا لأصحاب الفكرة التي تقر بأن السياسة هي الدين؛ من الذي أخطأ في الدين في هذه الحالة، أبو بكر أم عمر؟!

بالنسبة لي فإني أقول بأنه لا أحد من الإثنين قد أخطأ من وجهة نظر دينية، بل إن الأمر كان مجرد اختلاف في مسألة إدارية وقانونية حيث أنه كان لكل منهما رؤية سياسية مختلفة ليس فيها قطع من الناحية الدينية، والوقائع التي تدور في هذا الفلك من أمثال الواقعة السابقة كثيرة يصعب ذكرها كاملة مرورا بالثورة على سيدنا عثمان وليس انتهاء بالفتنة الكبرى… وأخيرا، فقد اتضح جليا من خلال تجارب معظم الأحزاب السياسية التي تبنت الخطاب الديني والمرجعية الدينية بأن هذا النهج لم يكن إلا وسيلة لحشد العواطف والتربع على سدة الحكم، بدليل أن أسلوب خطاب واشتغال هذه الأحزاب الآن مشابه بل وربما مطابق لخطابات وأساليب اشتغال باقي الأحزاب ذات المرجعيات “اللادينية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.