الوليد ميمون : ملك الأغنية الأمازيغية الملتزمة ” هجرت موطني ورحت بعيدا … حكاية الفنان الملتزم الأكثر شهرة وتأثيرا في نفوس أبناء الريف

آخر تحديث : الأحد 4 نوفمبر 2018 - 11:15 مساءً
2018 11 03
2018 11 04

زايو سيتي.نت – متابعة

وليد ميمون – هاجرغ تامورت اينو (هاجرت موطني)

من هو الوليد ميمون؟

هو قائد الأغنية الريفية،فنان مناضل أمازيغي ريفي ولد في عام 1959 في أيت سيدال بإقليم الناظور المغرب في منطقة الريف،من أب فلاح ، تزامن ميلاده مع أحداث 1958-1959 بالحسيمة تأثر في مرحلة طفولته ب”إمديازن” من هنا كان تودده إلى الموسيقى والغناء . تابع تعليمه الثانوي بثانوية عبد الكريم الخطابي بالناظور و كان لهذه المرحلة دور نوعي في صقل مواهبه الفنية الظاهرة منها والمضمرة،بحيث كانت أولى محاولاته في الكتابة الأدبية خصوصا كتابة الشعر باللغة الأمازيغية الريفية ،كما درس الفلسفة بكلية الآداب بفاس(جامعة محمد بن عبد الله) التي عرفت كغيرها من الجامعات المغربية في عقد الثمانينيات مدا نضاليا مما جعله يتأثر بالفكر التقدمي المتسم بالانفتاح وبرفض الوعي السائد لدى الطبقات المهيمنة التي كان هدفها تكريس الواقع والحفاظ عليه،كما تشبع جيله بالفكر الجدلي ،وباستشرافه لوعي ممكن يطمح إلى التغيير عن طريق النضال والتضحية ( جريدة تاويزا العدد 111) ويظهر هذا في جل أغانيه التي تتمحور حول هموم الطبقة الشعبية كما كان مولعا بالموسيقى والناي(تامجا) والغناء. وإلى جانب شاعريته فقد كان معروفا بالأغنية الملتزمة إذ شارك بها في عدة تظاهرات فنية محلية وطنية ودولية . وله عدة أشرطة غنائية وشعرية رائعة أثناء السنوات الأولى من دراسته بفاس . صدر شريطه الغنائي الأول سنة 1981 التي اختطف فيها المناضل الامازيغي بوجمعة الهباز ، ويحمل ألبومه عنوان ” إجاج” (الرعد) الذي أحدث تأثيرا عميقا في قلوب الناس فتم توقيفه ومنع بيعه في الأسواق لكن رغم المنع كان يباع سرا في الجامعات و المحلات وكان الوليد يقوم بعدة سهرات سرا في الجامعات وبهذا الشريط حقق نجاحا باهرا أكسبه جمهورا نوعيا يتكون من العمال الفلاحين والطلبة ، هذا ما جعل السلطة تحاول لجم وإسكات صوته :بدءا بالاعتقال والاستنطاق أكتر من مرة ،تم الطرد التعسفي من الجامعة تم المنع من مغادرة التراب الوطني لمدة عشر سنوات . وفي سنة 1986 أصدر الوليد ميمون ثاني ألبوم له بعنوان “أمتلوع” أو(المتشرد),الذي بيع دون أي قيود وبه أصبح الوليد ميمون أكتر شهرة سواء بالريف أو بالمغرب بشكل عام .في بداية عام 1997 أتبت الوليد ميمون أنه الفنان الملتزم الأكثر شهرة وتأثيرا في نفوس الناس ،بإصداره أبرز أعماله الغنائية بعنوان “تاييوث” (الضباب) بسبب الأزمة الاقتصادية الدائمة وغياب الحقوق الثقافية واللغوية الأمازيغية . اختار الوليد ميمون الهجرة إلى الخارج من اجل تحقيق الذات وكانت أولى محطاته هي هولندا في عام 1991.وفى عام 1994 اصدر أول ديوان له تحت عنوان “” زي رادجاغ نء تمورث غاروعرا أوجنا”” ( من أعماق الأرض إلى أعالي السماء) وقد أهدى الوليد ديوانه الشعري إلى الفلاحين والعمال الريفيين، وهذا دليل على مدى التزامه بالطبقة الكادحة وشعبيته الاجتماعية. وفى سنة 1996 اصدر الوليد ميمون ثاني ديوان له تحت عنوان “ثيفريدجاس”( حكايات ريفية قصيرة صدرت عن جمعية أبوليوس بهولندة – أوتر يخت ), كما شارك الوليد ميمون في العديد من المهرجانات الأمازيغية بطنجة والحسيمة والناظور وبعدها غادر ثانية لجزر الكناري في عام 1997 ومن جزر الكناري إلى بلجيكا في عام 1998. ومنذ ذلك الحين وهو يغنى في التظاهرات الفنية في مدن أوروبا .

مضامين أعمال الوليد ميمون

تعتبر جل أغاني الوليد ميمون من الخالدات وهي بنفس القيمة والشهرة إذ أبدع بعضها بالمهجر وبعضها الاخر بالريف وكل مواضيع أغانيه تتمحور حول الإنسان في علاقاته الاجتماعية المتسمة بالاستغلال والتفاوت الاجتماعي ( العلم الامازيغي العدد99 غشت 2008) . يقول الوليد ميمون في سياق حديثه عن أهداف أعماله الغنائية “خلقت أغنية جديدة كبديل معاصر ذات أهداف وطنية وإنسانية نبيلة جاعلة من التراث مادتها الأولية ومن المعاصرة مفهومها وتفتحا حضاريا على الآخر دون فقدان الهوية لمادتها الأولية”. (عن جريدة كواليس الريف العدد 116 يوليوز 2001) هذا المبدأ

الزمن الجميل ميمون الوليد zaiocity

هو الذي عمل من أجله الوليد ميمون وسخر له حياته رغم الاعتقالات والمضايقات، لكنه صمد وأبى إلا أن ينقل قضايا جيله ومجتمعه في أغانيه ليصبح صوت كل المهمشين والمضطهدين لا كما يرى عبد الكريم بن شيكار الذي شن هجوما على إبداعات الوليد ميمون بمبرر ” أنه يحرض على العنف الثوري ويصور ببشاعة حال الفقراء وحال الأغنياء والتناقض الاجتماعي والطبقي الذي يعرفه المغرب”( عبد الكريم بن شيكار –العالم الأمازيغي –العدد 99 غشت 2008 ص15 ) إن هذا الأخير قد اختلطت عليه الأوراق لدرجة تجريد المفاهيم من سياقها النظري والعملي (مقولة العنف الثوري في ارتباطها بالنظرية الماركسية) وربطها بأحداث العنف التي تشهدها الجامعات مما يبين جهله التام بمعنى العنف الثوري وإسقاطه جهلا على أغاني فنان رفض نماذج الغناء الهجين

ملك الأغنية الامازيغية الوليد ميمون

والمبتذل يقول الوليد ميمون في هذا السياق “جل الفرق الملتزمة مع الأسف اندثرت اليوم فاسحة المجال للأغنية المائعة والتجارية المنحطة شكلا ومضمونا ، إلا القليل من عناصر هذه الفرق الذين ما زالو يواصلون مسارهم الفني في طريقهم الشائك بتحد وجدية ملتزمين بقضايا شعبنا ووطننا العزيز.” (عن جريدة كواليس الريف العدد 116 يوليوز 2001) إن هذا الأخير يرفض أرقى أشكال الغناء والإبداع التزاما بمبرر أنها تصور ببشاعة أحوال الفقراء الاجتماعية والتناقضات الاجتماعية التي يعرفها المغرب. إن المشكل لا يكمن في أغاني الوليد ميمون فهي مجرد مرآة معبرة عن أوضاع المجتمع بقدر ما يكمن المشكل في مسببات تلك الأوضاع, كان من الأجدر لصاحبنا أن يأخذ موقفا من الأغاني المائعة والتجارية عوض التهكم على فنان يشهد له بالتزامه بقضايا شعبه ووطنه ، فأغانيه تستمد مادتها من الواقع الملوس والمعاش للفلاحين والعمال من قهر واستغلال. لقد شكلت قيثارة الوليد ميمون الصوت المعبر عن قضايا جيله وعصره ، ويمكن أخد نموذج أغنية “أتراس أخماس”التي يصور فيها أوضاع الفقراء والتناقض الاجتماعي والطبقي الصارخ بين الفلاحين والعمال من جهة ،والطبقة الغنية من جهة أخرى، و يقول في هذه الأغنية :” اخسان اثارن ذا يذي اتحناظ اكناس نهني كارعن ثوذارت جينت نتا اذ يقاس اثفوشت اثتنقارد اشفايش زكخناس أكار بد اعباس ادوراد ذغيراس” أو أغنية “منعن نشين ” الواردة في ألبومه الغنائي الثالث التي يقول فيها: “منعن نشين ايايثما ايمازيغن نشين ذ نفسين ادج وثتنقبر نشين ذ خدامن نشين ذ فدجاحن

الوليد ميمون زايو سيتي

نشين تروا ن تمورث ودجي ذ خرقن’’ ونفس المضمون بالنسبة لأغنية “أرباز أتواركي” التي يقول في إحدى مقاطعها : ” الله ينعر ثفقاع أويدحن ذركرايط” ويقيم الوليد ميمون في هذه الأغنية مقارنة بين الإنسان الامازيغي التواركي والفلاح الريفي “اثراس أخماس”.إن الانتقاد الذي وجهه عبد الكريم بن شيكار لأغاني الوليد بكونها ذات نفس تحريضي على الكفاح “الكفاح الذي يطالبنا به صاحبنا بصيغة نحن/نشين هو في واقع الأمر دعوة مباشرة إلى توريط الشعب الامازيغي المسالم فيما لا تحتمد عقباه “( نفس المرجع) للأسف الشديد أن مثل هذه المواقف تصدر عن مدعي الدفاع عن القضية الأمازيغية ؛ القضية التي أنجبت الوليد ميمون كما أنجبت المعتوب الوناس وغيرهما ممن سخر حياته من أجل عدالة القضية الأمازيغية ( بوجمعة الهباز…)إن الأغنية الأمازيغية لدى الوليد ميمون تعبر عن معانات فئة معينة من أبناء الشعب في منطقة كانت تعرف إقصاء و تهميش على أصعدة كثيرة و كانت كلمات الأغنية الملتزمة لديه عبارة عن صرخة تستنكر ما يعيشه الإنسان الأمازيغي خاصة عندما نتحدث عن الريف، ويتموقع غناء الفنان وليد ميمون موقع الذين رفضوا الوضع و قاوموه بأسلوب فني في وقت كانت تعرف المنطقة قمع لم تعرفه أي جهة أخرى فكان أسلوبه في النضال عبر نسج كلمات ذات معنى و إرادة ، فغنت أجيال و لا زالت تتغنى بأغاني الوليد ميمون.

إلى الوليد ميمون

رسالة من شاعر بالذنب إلى شاعر في المهجر

●حفيظ أدراز

لقد رحلت إذن وربما حذرت نفسك من مغبة الحنين و حماقة العودة. رحلت دون ضوضاء أو لغط “بنكران ذات أفلاطوني “نادر, دون أن تحرج أحدا بوداعك ممن عايشوا تجربتك و امنوا بها و أنا بدوري لن أحرجك وأنت هناك بالحديث عن الوطن و الجذور مثلما يحل للجدات الطيبات. لن أعاتبك على هذا “الهروب العظيم” و لن أطالبك بالعودة كما كنت تفعل و أنت تغني إحدى قصائدك في تلك الثمانينات العصيبة و لن اسمح لنفسي احتراما لها و للجدات و لتاريخك بان أعطيك دروسا في الحنين و الذكريات,ففضائل الاغتراب و امتدادك في الزمان و المكان أعمق و أجدى لك من أن تختزل كينونتك في تاريخ قبيلة جارت عليك او في ذاكرة مكان رغم رحابته لم يسعك, هويتك الآن حريتك وحسبك انك انسحبت بصمت نبيل من مشهد عبثي و أطلقت الرصاصة الأخيرة على وضع رديء لم تتحمله و لم يتحملك.

أنت الآن تحت سماء أخرى في بلاد “روبانس” و “بريل”,في الأرض التي آوت الشاعر الثائر”هيجو” عندما كانت تتعقبه أذناب إمبراطور خاسر.أنت الآن في قلب حضارة آمنت بالفن بقدر ما آمنت بالإنسان.

لعلك الآن تتسكع بحواس متوقدة في شارع ستالينغراد ببروكسيل مستمتعا بمهارة الغجر في محاورة الجيتار و صناعة الفرح في الهواء الطلق و هم يغنون انخطافات” جولييت غريكو” و الآم” ازابيل بانتوخا” او لعلك في محطة الجنوب تحتسي القهوة و ترغي بلغة “براسانس” و”غانسبوغ” مع الكاتبة الساخرة المثيرة للشهوات و الجدل “أميلي نوطومب”. لن أسترسل في هذا الكلام حتى لا يرتاب بعض الوطنيين جدا فيرموني بتهمة الولع بالغرب وامتداح الاغتراب وتسفيه جهود الدولة في التربية على المواطنة.

لقد رحلت الآن و كان ما كان , رافضا أي هدنة أو تطبيع مع السطحية و العبث و اللامعنى. ذهبت تاركا خلفك مدينة تكاد لا تصلح للاستعمال الآدمي , مقطوعة الجذور , بلا قلب و لا فكر ولا ذاكرة في قبضة المغول الجدد قارونات الذهب وبارونات الحشيش و لاحسو الأحذية المخزنية. لم تكن تجربتي أقل “كافكاوية” على الأقل بالنسبة لي كشاعر سابق او فاشل بمعنى من المعاني, فقد بدأت وأنا طالب اكتب الشعر , نشرت بعضه في صحيفة “أنوال” و في بعض صحف اليسار شاركت بعدها في الأمسيات الاوطمية بكلية الآداب بوجدة وفي ربيع الشعر الذي كان ينظمه وقتذاك فرع اتحاد كتاب المغرب, آزرني بعض الأصدقاء البنيويين عندما ازدراني بعض”المشائين” ولما أخذت تجربتي الشعرية تنضج على نار الأسئلة الوجودية انهار اليسار في “فياسكو” التناوب,فتنكر لقيمة الالتزام و اسقط من حساباته الهم الثقافي مؤثرا الاحتراق كفراشة وردية في جبهة الصراع على المواقع و المناصب و بذلك ولى زمن الفن الجميل فاسحا المجال لأشكال” فنية”هجينة جاء بها عصابة من مفسدي الذوق العام باسم الحداثة و احلام العولمة, غلمان البولفارونسانيس التيكتونيك ومطربو العلب الليلية بأصواتهم التي خربها الويسكي ومتعهدي السهرات للنجمات المنفوخات بالغرور و السيليكون و مخرجو أفلام من الدرجة العاشرة و نقاد “موسوعيون” بنصف لحية و ربع موهبة.

ولأني لست من المؤمنين جدا بمقولة أن النجاح انتقال من فشل إلى فشل بحماس كبير , تخليت عن الشعر وآويت إلى الظل عندما كان لا بد ان تتأزم الحالة الذهنية وتتراكم الأسباب الموضوعية ليتأثر إيماني به كأداة للتعبير فضلا عن أن يكون قوة للتغيير, ماذا و من ستغير بالشعر في مجتمع نصفه أمي و نصفه المتعلم يقرا نصف صفحة من النثر و يصرف نصف درهم على الثقافة في الشهر حسب الإحصائيات. أنا لا أحاول أن أفلسف هزائمي الصغيرة و لا أتعمد السوداوية حتى أبدو عميقا غير اني استطيع الزعم أن أمثالي ممن واجهوا هذا المصير المضحك كثيرون وهذا عزاء لا أهضمه.

لهذا كله التمس منك أصالة عن نفسي و ليس نيابة عن أحد ألا تعود و إن كان بإمكانك أن تذهب أبعد، طوبى لك, كن لنفسك و لغيرنا فقد عشقنا أغانيك و قدرنا موهبتك في الماضي ونخشى عليها الآن منا. لقد فسدنا من الداخل,أصابنا فقر في الدم و الجمال و الخيال,لقد تغيرنا كثيرا. هل كان شكري محقا حينما قال ذات اشراقة “إننا ما نصير اليه” .

الوليد ميمون، ذلك الفنان الأصيل

مصطفى الحمداوي

كان زميلا لشقيقي في المؤسسة التعليمية التي كانا يدرسان بها بمدينة الناظور ، التقيناه في المحطة القديمة ذات ربيع دافئ وحالم لم تعكره الا ضجة الباعة المتجولين ، ومحركات السيارات والحافلات التي تملأ المكان . نظرت الى الرجل باندهاش و إعجاب مشوب بإحساس اكتشاف شيء فريد وجميل . كنت لأول مرة أرى الوليد ميمون عن قرب ، بدا بسيطا في هيئته ووقار الفنان الذي يغلف سحنته التي تعبر عن حس مرهف لكل شيء بديع في الوجود . ضللت أستمع إليه وهو يحدث شقيقي الأكبر بصوت خافت وعميق يحمل أبعادا تخترق الذاكرة والوجدان ليستقر بعذوبة في ذهن الإنسان .

بعد ذلك سنحت لي فرصة حضور حفل فني أقامه في قاعة الشبيبة والرياضة بمدينة الناظور ، اكتظت القاعة بجمهور غفير حج من كل حدب وصوب للاستماع لهذا الفنان الرمز ، الفنان الملتزم بقضايا مجتمعه وهمومه التي تبناها بشجاعة كما ينبغي لفنان أصيل أن يفعل .

جلس على المنصة تحت ضوء شاحب وشاعري أضفى عليه مسحة ساحرة معبرة ، فرضت على الحضور صمتا يشبه صمت اليوغا وخشوعها المهيب . غنى الوليد ميمون وأنشد أشهر أغانيه التي تلامس قضايا وهموم وانشغالات الناس البسطاء ، غنى عن الأم التي تناجي برجاء حزين ابنها البعيد في بلاد المهجر وترجوه العودة الى بلاده ، ثم تغنى بأبناء قريته الفقراء الغارقين في هموم كبيرة تحاصرهم في قراهم الصغيرة ، وتغنى عن عشقه وولعه بمنطقة الريف ، وتغنى أيضا بنبتة بويذونان النبتة اليتيمة ذات الوريقات الصفراء الصغيرة المتساقطة على الدوام مثل دموع طفل يتيم ، النبتة الرمز ذات المغزى العميق التي أسبغ عليها الوليد ميمون بعدا إنسانيا جميلا ورائعا وبدلالات شاعرية مفعمة بالمعاني الشاملة التي تتعدى المكان والزمان والجغرافيا . كان يحتضن القيثارة والهرمونيكا في مشهد فني امتزج فيه انسياب ساحر للموسيقى العذبة التي تناغي أعمق أعماق الإنسان ، بصوته وإنشاده الرخيم الحالم الذي يحول المستمع مباشرة الى مجالات بعيدة ونائية تخترق سهوب ووديان وجبال الريف الشامخة .

هكذا كان الوليد ميمون ، وهكذا عرفه محبوه والمغرمون بفنه ، لأنه كان أول من أسس لتجربة فريدة من نوعها موسيقيا في منطقة الريف ، كان في تلك الفترة البعيدة المغني الوحيد الذي قطع مع شكل الأغنية الفلكلورية الشعبية ليرفع مقامها الى مجال أرحب وأوسع حيث غير شكل الأغنية الريفية التي ضلت لزمن طويل مقيدة داخل قوالب نمطية تتجلى أساسا في المواضيع التي تتناولها ، وكذلك الآلات الموسيقية المستعملة والشكل التقليدي المتجاوز الذي كانت تعيشه .

الوليد ميمون أحدث رجة في الوسط الفني الغنائي في منطقة الريف ، ليس فقط بسبب الموهبة الكبيرة التي حباه الله بها ، وليس أيضا بصوته العذب الرخيم العبق بخرير ينابيع كوروكو وتمسمان الذي يأخذ كل أحاسيس المرء ويلقي به في مروج خضراء من نبرات الموسيقى المتماوجة التي تخلب الألباب ، ليس لكل ذلك فقط ، ولكن أيضا للمسار الذي اختاره لفنه والطريق الأمثل لتوصيل خطابه ورسالته المقدسة الى جماهيره العريضة . كان بوسعه أن يختار الطريق السهل ، الطريق المعروف بالمصطلح الذي ابتدعه إخواننا المصريون ، الجمهور عايز كده ، لكنه لم يفعل ، فضل كرامته الفنية التي تحترم ذائقة المتلقي الواعي ، والرقي بذائقة المتلقي العادي الذي كان ينبغي أن ينسجم مع المعطى الموسيقي الجديد ، والنمط الذي اقترحه بكل اقتدار وجدارة الفنان الكبير الوليد ميمون .

غير أننا لا يمكن أن نمر بدون أن نشير الى الحيف الذي تعرض له هذا الفنان المبدع من عدة جهات ، أولا لقد قوبلت أغانيه بتجاهل تام وغير مفهوم لا يمكننا الا أن نستنكره من قبل الإعلام السمعي البصري المغربي ، وثانيا أيضا من قبل الجهات المسؤولة والجمعيات في مدينة الناظور التي اكتفت في الغالب بأن نظمت له سهرات متفرقة ومتباعدة لم تكن لتستجيب لقامة شامخة في فضاء الأغنية الريفية .

لم يكن بوسع الفنان الوليد ميمون أن يفعل كل شيء لوحده ، أن تصنع نجما بمواصفات تجعله يفرض نفسه وسط أي ساحة مهما اتسعت رقعتها أو تقلصت تحتاج الى عمل مكثف وجبار من قبل فريق عمل محترف يمتلك دراية بكل شيء يتعلق بمجال صناعة الأغنية بدءا من كتابة كلماتها وتلحينها ، مرورا بتسجيلها بطريقة احترافية تستجيب لمتطلبات تساير وتيرة نمو تكنولوجيا التوزيع والتركيب وغيرها من أدوات هذا الميدان ووسائله المتعددة ، وانتهاء بتسويقها للمتلقي .

لم تتدخل أية جهة لمد يد العون للفنان الكبير الوليد ميمون لكي تشاركه إنتاج أسطواناته الموسيقية بتقنيات عالية الجودة ، وهنا أقصد الجهات التي تمتلك السيولة المادية الهائلة التي تستثمر في كل الميادين الا الميدان الفني والثقافي مع الأسف . النجم أي نجم كان لا يمكنه أن يشتغل الا ضمن فريق متكامل يقدمه للجمهور بطريقة تسويق حديثة وعلمية ، وبوعي تام لطبيعة السوق الذي تتوجه إليه . كان يمكن مثلا أن يغني الوليد ميمون ضمن أوركسترا حديثة متخرجة من المعاهد الموسيقية العصرية ، وبقيادة مايسترو يجيد حرفته وموهبته باقتدار ، وأن يتعاقد مع كتاب كلمات وشعراء غنائيين يثرون تجربته أكثر ويوسعونها لتشمل وتجذب أكبر شريحة من المستمعين والمحبين للموسيقى الريفية في شكلها الراقي البعيد عن الفلكلورية والصيغة الشعبية الجميلة التي ينبغي أن تتطور وتؤسس لمرحلة أكثر انفتاحا على الأنماط الموسيقية العالمية بدون أن تبتعد عن جذورها التي أسس لها الأب الروحي للأغنية الريفية الفنان الراحل موذروس .

بدأ المشوار الوليد ميمون ، أعطى الكثير للأغنية الريفية ، لكنه في المقابل لم يتلق أي شيء مع كل الأسف ، لم يجد في الأخير من مجال غير اللجوء الى الغرب ، كان لجوءا اقتصاديا محضا ، والمؤسف أنه حتى وهو في بلاد الغرب لم يجد في الجالية هناك من يقوده ليطور من أداء آليات نمط أغانيه التي يبدو وكأنها في طور الاندثار والتلاشي . لا يمكننا أن نعزي الأمر إلا لكون الجالية المغربية ، و الجهات ذات الوزن النافذ عامة سواء داخل المغرب أو خارجه لا تزال تجهل دور الفن والثقافة والمعرفة في الرفع من مستوى الوعي ومستوى عيش الفرد والجماعات .

بعد البداية الموفقة للوليد ميمون ، وتأسيسه لتقاليد جديدة في الموسيقى الريفية ، انبثقت هنا وهناك عدة تجارب تستحق الانتباه ، وبدا حينذاك وكأن الساحة الفنية في الناظور ومنطقة الريف في طور مرحلة تحول موسيقي تاريخية ، استبشر المتتبعون خيرا بهذه الديناميكية النشيطة التي أعلنت فجأة عن نفسها وفرضت وجودها على ساحة الغناء والموسيقى . لا يمكننا ذكر كل التجارب ، لكن التجربة التي كانت الأكثر إثارة للانتباه والإعجاب هي تجربة مجموعة إثران التي اقتحمت الميدان الفني بقوة وفرضت نفسها رقما حقيقيا وكبيرا في تلك الفترة ، وعلى غرار الوليد ميمون فقد استمدت المجموعة تفردها ونجاحها من خلال التصاقها بقضايا المواطن في منطقة الريف ، وعكست بصدق المعاناة اليومية للأفراد والمجتمع أمام قهر التقاليد البائدة حينا ، وقهر السلطات حينا آخر ، كما أنها استعملت آلات موسيقية حديثة أغنت بها موهبة أفرادها وأصواتهم التي تصدح بنبرات ساحرة كشحارير أشجار الأرز في جبال الريف الشامخة . وجدت مجموعة إثران ترحيبا منقطع النظير في منطقة الريف ، واستقبل المتلقي أغانيها بتفاعل واضح وضلت هذه الفرقة مستحوذة على الساحة الفنية لبض! عة سنوات قبل أن تخبو وتنتهي بشكل غريب يثير أكثر من علامة استفهام حول مستقبل الأغنية الريفية التي عادت من جديد في العديد من تجاربها الحديثة الى الابتذال والتقليد الذي ظن الجميع أنه تم القطع معه نهائيا .

فيديو: الراحل عمور مبارك يتحدث عن الفنان الوليد ميمون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات11 تعليق

  • أغاني رائدة ،وفن راق، أغاني أطالها التهميش من قبل اهل الثقافة والإعلام ،ولم يعيرو هدا الفن الامازيغي الرائع اي اهتمام ، لانه هادف ،ويحكي عن الواقع المر الذي عاشته منطقة الشمال الشرقي ،من إهمال ،وتهميش ،واللامبالاة لكل ابناء المنطقة ،ميمون تطرق في أغانيه الى المعاناة التي كان يعاني منها اي مواطن عادي من حرمان ، على جميع المستويات ،تعليم،صحة،عمل ،حياة كريمة،لكن لم تجد آذانا صاغية ،،تحية إليك ياخ ميمون لقد ابكتنا أغانيك الملتزمة الهادفة المعبرة الجميلة ،مع اجمل تحياتنا لك

  • الخطأ هو ربط مشاكل الشمال بالماركسية اللنينية التي لا علاقة لها بالتنمية و لا الديموقراطية و إلا لماذا يهاجر الريفيون الى أروبا و لا يهاجرون الى كوريا الشمالية أو دولة جنوب السودان؟

  • الوليد ميمون ملك الأغنية الملتزمة وافتخر فيه كونه خالي.

  • تحية لك ولكل المناضلين المخلصين للقضية الأمازيغية,.ازول فلاون سق ايتماتون نليبيا

  • يقطن حاليا بمقاطعة …مولنبيك …ببروكسيل

  • الوليد ميمون مغني شهم ومناضل ملتزم بالقضية

  • اتمنا لك حيات سعيدة واتمنا لك المزيد علي اغانيك الحنينت ومنها اغنيت ادشار اينو ايما ايما خدشر اينو

  • ايام الزمن الجميل كان رفيقنا في الفصل الدراسي ( ع الكريم الخطابي السادسة رالسابعة باك ) يتحفنا اثناء الاستراحة بالاغاني الملتزمة والبحر والجبال وكنا نسفق ونرح ونعود للقسم فرحين مسرورين وكان الوليد داءما يحضى بالاحترام والتقدير ،،، داءما اريد تجديد اللقاء به لكن ؟؛. ،،،رفيقك في الدرب ع،القادر ،،،،الاراضي المنخفضة

  • ألا يحق لي يا أبناء وطني أن أعتز و تعتزوا جميعا بهذا الفنان المغربي الأمازيغي الألمعي بما أسداه من خدمات جليلة للأغنية الريفية التي انتشلها من ايقاعاتها المحاكية و المقلدة للموسيقى الشرقية و مضامنيها المبتذلة البعيدة عن هموم و معاناة الطبقات الشعبية الكادحة في منطقة الريف ، فأضحى الفنان وليد ميمون بأغانيه الملتزمة التي اختار لها ايقاعات مستمدة من صميم التراث الموسيقى الأمازيغي رائدا للأغنية الريفية التي اكتسحت القلوب و غزتها و شدت إليها الأسماع و الأذواق ، رغم الحصار الذي ضرب على هذا الصوت المتميز شعراً و اداء من لدن من يزعجهم هذا الصوت و يقض مضاجعهم ، فبورك فيك يا ابن منطقتي في بني سيدال و لكل المبدعين و المناضلين من مدينة الناظور الذين استماتوا في الدفاع عن أغانيك الملتزمة في سنوات الجمر-، أذكر على سبيل المثال لا الحصر : الأستاذ المرحوم قاضي قدور ، و الأستاذ قيس مررزوق ورياشي ، و الأستاذ بومدين عبد الصادقي و الأستاذ عمر الحسني ، و الأستاذ طحطاح ، و الأستاذ الحسين القمري ، و الأستاذ أقوضاض ،و الأستاذ محمد الشامي ….

  • الوليد ميمون له مكانة خاصة في قلوب أبناء زايو خصوصا جيل السبعينات اطال الله في عمرك أيها الشامخ وشكرا جزيلا لموقع زايو سيتي الذي يذكرنا دائماً بالرواد .

  • تبقى الى الابد شاهقن كالجبل اطال الله عمرك