رسالة إلى صديقتي الألمانية في معاني المحبة

آخر تحديث : الإثنين 29 أكتوبر 2018 - 8:42 مساءً
2018 10 29
2018 10 29

محمد نبيل

محدثتي ، أشكرك جزيل الشكر على الفرصة التي أتحت لي لاكتشاف الغيرية في ذاتي الواحدة . أعرف أنك غيورة على قيم الحب و المحبة، و تريدين حضورها في العوالم التي غزاها العمى و فقدت الادراك و طغت فيها لعنة الحقد و الضلال .

مرت الليالي الطوال و الشهور و السنوات الجميلة دون أن أنسى شيئا واحدا : في كل مرة أنطق فيها بكلمة حب واحدة أدركت حماسك العجيب. أنت تعرفين جيدا ما قاسيت في مواسم الهجرات و بقاع بلدان الجنون و أوطان الاغتراب، و كم عانيت من أجل إيجاد معجم يليق بك و بكل عشاق الحياة.

لا تعتقدين أنني ركبت القطار أو حتى الطائرة من أجل أن أراك في الفرصة الاخيرة . لعنة الركوب و النزول لا تلائم لحظات قضيناها بجوار النهر و على ضفاف البحر في الشمال و الجنوب . اتفقنا على أن أكون بعيدا عنك، فتركتهم يتلصصون من وراء الابواب الناطقة بحرف العلوم، من أجل رفع الحجاب عن مكنونات السحاب . انتصرنا بصمتنا الجميل، و عملنا الحكيم بين أقوام نتحدث لغتهم دون مركبات نقص ، و لكنهم لا ينطقون و لو حرفا واحدا من لغتنا .

أسالك : هل فعلا كتبت رسالتك الأخيرة و أنت مستلقية على سرير النوم ، تتغزلين ببياض ورقتك الطائشة فوق كف كتاب الكاتب الفرنسي “ستندال” ؟ يا لها من حماقة ليلية . أسلوبك يوحي لي بأنك كنت في متحف أو جالسة أمام بحيرة “بودنسي” الساحرة بخرير مياهها أو نهر الراين.

عزيزتي، رسالتك حقا تذكرني بتلك الأيام التي قضيناها نتحدث عن سر الهوى و دلالات المحبة . إن الامر يتعلق بلغز حير الحضارات و الثقافات الصينية و الفارسية و العربية و غيرها . الحب أو كما أعثر عليه في لسانك، فيه الكثير من التركيبات التي تجف فيها اللغة و تظل رائحتها فيها .

محدثتي ، في لسانك ، الحب (Liebe) هو مودة و تعب للقلب (Zuneigung/ Herzeleid) / Liebeskummer ، إنه إغراء و جاذبية (Verführung/ Bezauberung/Liebreiz) . الحب يمكن أن يكون بمعنى من المعاني شغفا و شهوة (Leidenschaft). هذه معاني منكسرة و محصورة بين دفتي هذه الحروف ، هي متداخلة تداخل اللونين الأبيض و الأسود. سجن الحروف يثيرني فيدفعني إلى البحث في دوائره الخفية وفهم كلماته العجيبة.

في تلك الأيام و الشهور، حين ضاقت فيها الدنيا بآهاتي ، وعثرت فيها على سر هذياني، التجأت اليك قبل زيارة الطبيب . قلت مع نفسي، إنها مغامرة لفك شفرات داء الغربة المقيت. عرفت بعد مرور السنوات أن روابطنا لا تصيبها الصدأ . فتحت خزانة ثيابي فعثرت على كتابك الجميل و هديتك بمناسبة نهاية شريطنا الجماعي . آه ، لقد كانت قصيدة جميلة للشاعر غوته . فعلا، مقاطعها أربكت جماح جنوني . لقد حفظتها عن ظهر قلب حتى صارت ظلي، و كلاما يحيّر مسامعي…:” وضعتُ همّي في السَّـفر والتَّرحال ، يا للسعادة! وخلفتُ ورائي عاداتِ وطن الآباء، يا للألم! ولم أكن مسروراً حقّـاً في أيِّ مكان قطّ .كان الطّعام غريباً لديَّ، والفراشُ غيرَ مُريح ، لم يفهمني أيّ واحدٍ أبداً. جعلتُ همّي في الشّهـرة والشرف. يا للابتهاج!”

دعيني أقول لك : حياتنا ليست واحدة و لا أحادية . إنها مثل أطياف المساء أو ألوان قوس قزح. إنها تشبه كذلك أغنية العصافير التي تشدو كل صباح . معاني المحبة ألهمتنا و أضاءت لنا الطريق . ربما تعلمين حكاية المأمون مع الحب أو على الأقل سمعت عنها. الخليفة العباسي الذي في روحه حضارة فارسية عريقة تهز أوتاره وآتية من أمه بادس، حيره الحب و معانيه فجلب له أكبر المترجمين و المفكرين في بيت الحكمة، و الهدف فك طلاسم الحب و الرد على السؤال : ما هو الحب ؟

رسالتك فيها من التساؤل عن الحب في لغة الضاد ما يكفي . الحب يا محدثتي في قاموس ابن حزم هو “أوله هزل و آخره جد “. فلا يمنعني الكلام عن الحب من استحضار ذاك الرجل و رغبته في السيطرة الآتية من ضعفه أمام المرأة ، كما يشرح لنا ذلك ابن القيم الجوزية . قد تتفقين معي و قد تختلفين كعادتك ، بسبب الثقافة التي تفعل فعلتها فينا جميعا، لكن آثار الحكمة فيها نصيب من طبائع البشر .

لقد اخترت كلمة أو مفهوم الحب للرد على شغبك الجميل، وشغفك الكبير لكل ما هو غريب عنك و عن ثقافتك . الحب لا تسجنه الكلمات لأنه يطير بأجنحة من حرير، في سفر جميل يرافق الهوى الخلاق. اقتناء كلماتك بعناية تامة و عباراتك فيه رسم لصورة ما يقال و ما لا يقال .

لا أخفيك أن الهوى في معجم ابن القيم الجوزية يعني “ميل النفس الى الشيء.. سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه و أما هوى يهوي بالفتح فهو السقوط”. كم من مرة كنا نقول : لا نحب السقوط إلا و نحن نفكر في العودة من جديد و كأننا ننبعث من رحم رمادنا الأبدي . يقول لنا هذا المفكر في خفايا الحب و العارف بمتاهاته : “إن العرب استعملوا عشرات المرادفات للتعبير عن الحب قصد تبيين العواطف الخطيرة لضبطها و تجنبها”. الهوى في اللسان العربي فيه عبارة تدل عند ابن عربي – كما يتحدث عنها في “ترجمان الأشواق- “: “سقوط الحب في القلب في أول نشأة و في قلب المحب لا غير . فإذا لم يشاركه أمر آخر و خلص له و صفا، سمي حبا” .

تقولين في معرض رسالتك إنك فقدت خيط الفهم، عندما قفزت من مكان الى مكان و من لفظ الى آخر . صحيح إن المعاني حمالة أوجه، لكنها لعبة جميلة . إن التعبد مثلا هو غاية الحب و غاية الذل ..كما نقول كذلك : طريق معبد بالأقدام أي مذلل .

لا أخفي خوفي عليك من الوله ، فهو ذهاب العقل من شدة الوجد، أما التدليه فهو ذهاب العقل من الهوى . إن الحب كالهيام يا عزيزتي، و الهيام مثله مثل الجنون من العشق . الهيام داء يأخذ الابل فتهيم و لا ترعى . فهل أصابتك هذه الريح الآتية من عوالم العشق الأبدية ؟

فهمت من كلامك أنك تطرحين ألف سؤال عن صور تثير سخريتك في الحب . يكفي أن نتحدث عن الحب العذري حتى نستغرب أو نتنكر أو نضحك . عند سماع عبارات التَّعَلُّقُ الطَّاهِرُ والعَفيفُ بِالْمَرْأَةِ عِشْقاً وَوَلَهاً تحدث في النفس أمور غير مفهومة. إن التاريخ يكتب بمداد الأفراد ، و الحب فيه من اللعنات ما يجعله مثيرا للخوف، و لا يقربه إلا من يركب البحر و لا يخشى الغرق . أما الغرام عند العرب فهو فخ لا يرحم أصحابه . يقال شخص مغرم بالحب أي قد لزمه الحب..

من منا ينكر منزلة الصداقة العميقة جدا في قارة الحب . فالخلة هي توحيد المحبة، والخليل هو الذي توحد حبه لمحبوبه و هي رتبة لا تقبل المشاركة . تذهب العلاقات بالإنسان بعيدا حتى الحمق . فمن الحب ما يكون جنونا .

عندما تصلين الى درجة اللوعة ستكتشفين أن لوعة الحب هي حرقته. نقول: احترق من الشوق، فكم أنا مشتاق إليك و عندي لوعة ***ولكنَّ مِثْلي لا يُذاعُ لهُ سِرُّ. إذا اللّيلُ أَضْواني بَسَطْتُ يَدَ الهوى *** وأذْلَلْتُ دمْعاً من خَلائقِهِ الكِبْرُ ، كما يقول أبو فراس الحمداني في قصيدته الرائعة “أراك عصي الدمع”. الحب يصيب الانسان كذلك بالأرق، و الارق من آثار المحبة و لوازمها.

لو كنت بجانبي لغادرنا معا المكان، و حلقنا عاليا كما تعودنا في بحار الحرق و الكمد و غيرها من أهوال و أحوال الحب. إن الحروف تسجن المعاني كما يسجن الجسد الروح . لقد سافرت مع رسالتك الاخيرة . أربع صفحات بأربع رحلات، و في كل رحلة أراك في حلة مغايرة . إعجابك برواية “توماس مان” “موت في البندقية” واضح و خفي في خطوطك . شخوص تتحرك بين السطور، و مشاهد من صراعاتك العائلية .

يثيرني فيك بشدة، بحثك المضني عن ذاتك أكثر من مرة ، و رفضك الاستسلام للأقدار المرسومة. أعترف أنك كنت دوما ملهمتي عندما تعلنين الرفض، و كأنك صخرة تقاوم غضب الطبيعة . ما زلت أتذكر اليوم الذي سمعت فيه صوتك : “نحن لا نسقط و حتى لو وقع، ننهض بسرعة “. كبواتك بشتى أشكالها و أنواعها خلقت منك، أنت التي تكتب ليلا و تقفر نهارا .

في رسالتك ، حاولت أن أبحث معك في دلالات الحب الجرمانية حتى أسكر كما يسكر العاشق، و هي أفضل سكرة و أعظمها . كلامك فيها معنى يذكرني بأشعار ابن الفارض وهو الذي أتحفنا قائلا : “شربنا على ذكر الحبيب مدامة *** سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم .

و حتى أرد على أسئلتك المغرية، أقول لك في ختام هذه الرسالة : إن مطبات الحب لا حصر لها اليوم في عوالم تحول الانسان الى سلعة في سوق البشرية. لذلك، دعيك من الظواهر و ادخلي عالم الجواهر . انظري إلى الهُيام فهو أشد العطش ، لكن الهُيام كالجنون من العشق . فكم من أحد تَيَّمَهُ الحُبُّ فجَعَلَهُ مُذَلَّلاً و ذَهَبَ بِعَقْلِهِ . الحب يا عزيزتي ، أبوابه مفتوحة و معجمه يطل علينا من نوافذ الذات و الغير . الحب إغراء لا مثيل له ، و طاقة لا وصف لها، مكانته السامية دفعت بابن عربي الى أن يقول : “أدين بدين الحب اني توجهت *** ركائبه، فالحب ديني و ايماني “.

* صحافي و مخرج سينمائي مقيم في برلين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.