قراءة نقدية لمشروع القانون التنظيمي للإضراب

آخر تحديث : الخميس 5 أبريل 2012 - 7:32 مساءً
2012 04 05
2012 04 05

في بداية أكتوبر 2001 أصدرت وزارة التشغيل أول مشروع للقانون التنظيمي للإضراب وهو المشروع الذي كان يعني القطاع الخاص والإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية. وفي فبراير 2003، وفي خضم النقاشات النهائية حول مشروع مدونة الشغل، أصدرت الوزارة مشروعا ثانيا للقانون التنظيمي للإضراب يهم هو الآخر الأجراء بالقطاع الخاص والإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية. وفي فبراير 2004 أصدرت وزارة التشغيل مشروعا ثالثا للقانون التنظيمي للإضراب لم يتطرق سوى للإضراب على مستوى المقاولات دون الحديث عن الإضرابات القطاعية الوطنية أو الإضراب على مستوى الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية. وفي مطلع يناير 2005 سلمت وزارة التشغيل للمركزيات النقابية مشروعا رابعا للقانون التنظيمي للإضراب لا يهتم هو الآخر سوى بالإضراب على مستوى المقاولات ويتضمن عددا من التعديلات للمشروع الثالث جلها تراجعية ويلغي بابا بكامله حول الإجراءات الزجرية لمنتهكي قانون الإضراب.

 

وبالنسبة لقيادة الاتحاد المغربي للشغل فقد سبق لها بمجرد التوصل بالمشروع الأول أن أصدرت في 10 أكتوبر 2001 “بيانا حول حق الإضراب” تضمن موقف المركزية المبدئي من المضمون المفترض لأي قانون تنظيمي لحق الإضراب. كما سبق للأمانة الوطنية أن بعثت في 24 شتنبر 2004 بمذكرة للحكومة (عنوانها: “ملاحظات حول مشروع القانون التنظيمي المتعلق بحق الإضراب”). وأصدر المجلس الوطني للاتحاد المغربي للشغل بدوره يوم 29 شتنبر 2004 “بيانا حول مشروع القانون التنظيمي للإضراب”. وتعبر كل من المذكرة والبيان عن رفض المركزية لمشروع القانون التنظيمي في صيغته الثالثة لفبراير 2004 مع “دعوة الطبقة العاملة المغربية في كل القطاعات إلى التصدي لهذا المشروع بكل الوسائل النضالية حماية لحق الإضراب”.

 

إن هدف الحكومة المعلن من المشاريع الأربعة للقانون التنظيمي للإضراب هو تنظيم حق الإضراب انسجاما مع الفصل 14 من الدستور الذي ينص على أن “حق الإضراب مضمون وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق”. وفي الواقع وكما سيتضح من القراءة النقدية لمشروع القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب، فإن الحكومة تهدف إلى تكبيل حق الإضراب عبر تضييق مجال ممارسته ووضع عدد من العراقيل والحواجز أمام الممارسة القانونية لحق الإضراب. وإن المشروع الرابع لقانون الإضراب، وتجاوبا مع جشع الباطرونا في هذا المجال، قد عمق أكثر المنحى التكبيلي لحق الإضراب.

إن هذه الأرضية هي تحيين لأرضية مماثلة سبق إصدارها في مارس 2004 بعد صدور المشروع الثالث للقانون التنظيمي للإضراب، وهي قراءة نقدية لآخر مشروع للقانون التنظيمي للإضراب أي المشروع الرابع لمطلع شهر يناير 2005.

 

I/ بعض التوضيحات الأساسية قبل الشروع في القراءة النقدية للمشروع:

1. إن حق الإضراب كجميع الحقوق العمالية هو مكسب للطبقة العاملة على المستوى الدولي وعلى المستوى الوطني جاء نتيجة لنضالات مريرة ولتضحيات جسيمة. ولم يتم الاعتراف بهذا الحق في البلدان الصناعية إلا بعد ممارسته بعشرات السنين وأصبح حق الإضراب من الحقوق الأساسية للشغيلة ولمنظماتهم قبل أن يصبح حقا من حقوق الإنسان معترف به في العهد الدولي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 8 الفقرة د) المصادق عليه من طرف الأمم المتحدة في دجنبر 1966. وللتذكير فإن المغرب قد صادق على هذا العهد الذي أصبحت مقتضياته ملزمة لبلادنا منذ غشت 1979.

2. في المغرب، إن حق الإضراب هو حق دستوري منذ الدستور الأول المصادق عليه عام 1962. ورغم ذلك فإن هذا الحق غير محمي قانونيا؛ على العكس من ذلك إن التشريع المغربي والنصوص التنظيمية يتضمنون عددا من المقتضيات الزجرية لممارسة حق الإضراب، وأهمها:

* الفصل 288 من القانون الجنائي:

– ينص هذا الفصل على مايلي: “يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنتين وبغرامة مائة وعشرين إلى خمسة آلاف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط من حمل على التوقف الجماعي عن العمل أو على الاستمرار فيه أو حاول ذلك مستعملا الإيذاء أو العنف أو التهديد أو وسائل التدليس متى كان الغرض منه هو الإجبار على رفع الأجور أو خفضها أو الإضرار بحرية الصناعة أو العمل. وإذا كان العنف أو الإيذاء أو التهديد أو التدليس قد ارتكب بناء على خطة متواطأ عليها، جاز الحكم على مرتكبي الجريمة بالمنع من الإقامة من سنتين إلى خمس سنوات”.

– لقد شكل الفصل 288 من القانون الجنائي السلاح الأساسي لأرباب العمل من أجل مواجهة الإضراب. وقد ذهب مئات العمال للسجون وفقدوا عملهم نتيجة تطبيق هذا الفصل المشؤوم الذي ظل دوما يطبق على العمال دون أن يطبق على المشغلين المنتهكين والمعرقلين لحرية العمل بالنسبة للأجراء.

* الفصل الخامس من مرسوم فبراير 1958 حول “ممارسة الموظفين للحق النقابي”. وينص هذا الفصل على مايلي: ” كل توقف عن العمل بصفة مدبرة وكل عمل جماعي أدى إلى عدم الانقياد بصفة بينة تمكن المعاقبة عنه علاوة على الضمانات التأديبية ويعمم هذا على جميع الموظفين”.

* ظهير 13 شتنبر 1938 المتعلق بتسخير الأجراء في فترة الحرب وهو القانون الذي اعتمدت عليه السلطات لإجبار الأجراء على العمل حتى في فترة السلم. وقد تم استعماله ضد عدد من السككيين المضربين عن العمل في ماي 1995.

3. أما على مستوى الممارسة فقد دأبت الباطرونا والسلطات الحامية لمصالحها على اتخاذ عدد من التدابير لعرقلة وقمع الحق الدستوري في الإضراب أبرزها:

* طرد العمال المضربين بافتعال أخطاء جسيمة وفقا للفصل السادس من النظام النموذجي الذي كان معمولا به قبل مدونة الشغل، وأحيانا باعتبارهم مضربين فقط، كأن الإضراب ممارسة غير قانونية.

* تشغيل عمال جدد مكان العمال المضربين.

* تهريب السلعة من المؤسسة الموجودة في حالة إضراب إلى مؤسسة أخرى حتى لا يكون للإضراب أي جدوى.

* إغلاق المؤسسة في وجه العمال المضربين خارج نطاق القانون.

* تسخير ميليشيات لتكسير الإضراب بالعنف.

* تدخل السلطة ضد المضربين خاصة عند قيامهم باعتصام داخل أو خارج المعمل….

4. إن النقابة لا يمكن أن تكون من حيث المبدأ ضد وضع قانون تنظيمي لممارسة حق الإضراب لكن شريطة خلق بعض الشروط المناسبة لممارسة هذا الحق وأن يؤدي هذا القانون إلى ضمان ممارسة هذا الحق الإنساني والدستوري بعيدا عن الانحياز الطبقي المعهود لصف الباطرونا.

أ‌) وانطلاقا من أدبيات الحركة النقابية العمالية ومن البيان الصادر عن الاتحاد المغربي للشغل في 10 أكتوبر 2001 بالخصوص يمكن اعتبار أن الانتظارات الأساسية للنقابيين المدافعين عن حقوق العمال من القانون التنظيمي لحق الإضراب تتجسد في المقتضيات الرئيسية التالية:

* التأكيد على أن حق الإضراب حق من حقوق الإنسان وحق دستوري وحق أساسي للشغيلة ولمنظماتها النقابية على مستوى المقاولة والمنطقة والجامعة المهنية والمركزية.

* ضمان حق الإضراب لأجراء القطاع الخاص والقطاع العمومي على السواء وأنه لا يمكن الحد منه إلا بالنسبة لفئات محدودة ومحددة وفي أوضاع مرتبطة بممارسة سلطة الدولة (القوات المسلحة مثلا).

* الإقرار بمشروعية الإضرابات التضامنية وقطع الطريق أمام السلطة الإدارية لمنع اللجوء إلى الإضراب خارج نطاق القضاء.

* توضيح مفهوم “عرقلة حرية العمل” حتى لا يفهم الإضراب في حد ذاته كعرقلة لحرية العمل.

* منع ومعاقبة تشغيل أجراء من خارج المؤسسة أثناء الإضراب.

* إقرار الحماية الفعلية والملائمة للمأجورين ولممثليهم النقابيين قبل وأثناء وبعد الإضراب.

* التأكيد على إمكانية اللجوء لتدابير المصالحة والتحكيم المنصوص عليها في مدونة الشغل من أجل حل النزاعات الجماعية مع احترام شرط أساسي هو أن لا توقف تلك التدابير الممارسة الفعلية لحق الإضراب.

* إمكانية اتخاذ التدابير المتعلقة بمهلة الإشعار بالإضراب وبالخدمات الدنيا أثناء الإضراب على مستوى القطاعات المهنية والمقاولات في إطار اتفاقيات جماعية دون المساس بالممارسة الفعلية لحق الإضراب.

ب‌) كنا كنقابيين مدافعين عن الطبقة العاملة ننتظر كذلك إجراءات مصاحبة للقانون التنظيمي لحق الإضراب حتى يكون هذا القانون مناسبة ليس لتكبيل حق الإضراب وإنما لتطوير العلاقات المهنية والنهوض بالمفاوضات الجماعية وهو ما يستوجب بالخصوص:

* تطبيق التزامات الحكومة بشان الحريات النقابية الواردة في اتفاق 30 أبريل 2003 وفي مقدمتها:

– المصادقة على اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 87 حول الحرية النقابية و151 حول حق التنظيم وشروط الاستخـدام في القطـاع العـام وإدمـاج مقتضيـاتهمـا وكذا مقتضيـات الاتفـاقية 135 حول حماية ممثلي الأجراء – المصادق عليها مؤخرا – في مدونة الشغل وهو ما يفترض بالخصوص مقتضيات قانونية للاعتراف الصريح بدور النقابة والمكتب النقابي على مستوى المقاولة والمؤسسة العمومية والإدارة العمومية.

– إلغاء مقتضيات الظهير 13 شتنبر 1938 المتعلق بالسخرة.

– إلغاء المادة 5 من المرسوم الصادر في 5 فبراير 1958 المتعلق بممارسة الحق النقابي من طرف الموظفين.

– مراجعة الفصل 288 من القانون الجنائي وذلك تفاديا لكل التأويلات التي يثيرها تطبيق هذا الفصل.

– تعميم وزارة الداخلية لدورية على الولاة والعمال لجعل حد للممارسات التي يمكن أن تؤدي إلى عرقلة حرية تأسيس النقابات، خاصة عبر التسليم الفوري لوصول إيداع ملفات تأسيس النقابات وتجديد المكاتب النقابية.

* إصدار المراسيم التطبيقية لمدونة الشغل دون تحايل قد يؤدي إلى الالتفاف على المقتضيات الإيجابية للمدونة.

* الاعتراف على مستوى مدونة الشغل أو المراسيم التطبيقية بالمكتب النقابي كتجسيد للنقابة في المقاولة مع اعتبار المكتب النقابي كمخاطب لرب العمل في إطار التفاوض الجماعي الإجباري المنصوص عليه في المدونة.

5. لقد تم صياغة مشروع القانون التنظيمي للإضراب بشكل انفرادي من طرف وزارة التشغيل بالاستناد فقط على موقف الباطرونا التي سبق لها صياغة مشروع للقانون حول الإضراب منذ شتنبر 2000. فلا غرابة إذن أن يكون مشروع وزارة التشغيل متجاوبا مع رؤية الباطرونا لتقنين الإضراب ومنافيا للتصور النقابي حول الإطار القانوني لممارسة حق الإضراب.

 

II/ قراءة نقدية في مقتضيات المشروع:

* يتضمن المشروع 30 مادة و4 أبواب:

¨ الباب الأول (10 مواد: من 1 على 10): يتناول مقتضيات تمهيدية هدفها تحديد مجال التطبيق (القطاعات المعنية) والتعريف بالإضراب وطرح الضمانات الخاصة بالمضربين وغير المضربين (حرية العمل) وتحديد مآل عقد الشغل أثناء الإضراب.

¨ الباب الثاني (10 مواد: من 11 إلى 20): يتعرض لشكليات ممارسة الإضراب.

¨ الباب الثالث (7 مواد: من 21 إلى 27): يتضمن المقتضيات الخاصة بسير الإضراب ومعاينته.

¨ الباب الرابع (3 مواد: من 28 إلى 30): يتناول مقتضيات مختلفة متعلقة بالخصوص بالحد الأدنى من الخدمات الواجب تأمينها أثناء الإضراب وإمكانية توقيف الإضراب أو منعه من طرف الوزير الأول أثناء حدوث “أزمة وطنية حادة”.

* يمكن حصر الملاحظات النقدية حول المشروع في النقط التالية:

¨ مجال تطبيق القانون:

– ينص الفصل 14 من الدستور على أن “حق الإضراب مضمون وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق”.

يتضح من خلال عمومية هذا الفصل، من جهة أنه يهم كل أنواع الإضرابات سواء تعلق الأمر بالإضراب عن العمل وهو الشكل الأكثر شيوعا، أو بالأشكال الأخرى للإضرابات العمالية، وبغيره من أنواع الإضراب كالإضراب عن الدراسة بالنسبة للطلبة والتلاميذ أو الإضراب عن الطعام ومن جهة أخرى أنه يهم الأجراء كافة وغير الأجراء كالتجار الصغار والحرفيين والفلاحين وأصحاب الشاحنات والطاكسيات والطلبة والتلاميذ.

– أما القانون التنظيمي فينص في مادته الأولى على أن القانون التنظيمي سيطبق على الأشخاص الذاتيين والمعنويين والمؤسسات والمقاولات التي تسري عليها أحكام مدونة الشغل وفي مادته الثانية على أن “حق الإضراب مضمون بمقتضى الفصل 14 من الدستور ويمارس وفق أحكام هذا القانون”.

– يتضح مما سبق أن القانون التنظيمي يطبق أساسا على المقاولات الصناعية والتجارية والاستغلاليات الفلاحية والغابوية وكذا على المقاولات والمؤسسات التابعة للدولة والجماعات المحلية إذا كانت تكتسي طابعا صناعيا أو تجاريا أو فلاحيا. ويستثنى من تطبيق القانون التنظيمي للإضراب الموظفون وأجراء المقاولات والمؤسسات العمومية التابعة للدولة والجماعات المحلية والبحارة وأجراء المناجم على اعتبار أن هؤلاء الأجراء لهم أنظمتهم الأساسية الخاصة بهم ولا تطبق عليهم مدونة الشغل. كما يستثني هذا القانون فئات الشغيلة غير الأجيرة (التجار، الحرفيين، أصحاب الطاكسيات، الفلاحين) والطلبة والتلاميذ،…

والسؤال القانوني المطروح هو: ما هو الموقع الجديد من ممارسة حق الإضراب بالنسبة للفئات غير المعنية بالقانون التنظيمي ؟ هل ستصبح محرومة من حق الإضراب ؟ ماذا سيكون موقف المجلس الدستوري من مثل هذا القانون التنظيمي للإضراب بعد مصادقة البرلمان عليه ؟ إنه بكل تأكيد قانون لا دستوري.

¨ تُعرف المادة الثالثة الإضراب “كوقف جماعي ومدبر للشغل من أجل تحقيق مطالب نقابية ومهنية محددة لم يستجب لها المشغل”

• هذا التعريف يستثني إضراب التباطئ (perlée grève) كما يستثني إضراب التحمس du zèle) grève)

• هذا التعريف يظل غامضا بالنسبة للإضراب العادي علاوة على أنه يستثني الإضراب التضامني باعتبار أن التضامن ليس مطلبا.

• لذا فبدل الحديث عن “تحقيق مطالب نقابية أومهنية” كان من الأجدى الحديث عن “تحقيق أهداف نقابية مادية ومعنوية”

• إن التعريف يتحدث عن مطالب نقابية ومهنية محددة لم يستجب لها المشغل. والسؤال المطروح ماذا عن مطالب استجاب لها المشغل في إطار اتفاقية مكتوبة مع النقابة بل أحيانا يشرع في تطبيقها ثم يتم التراجع عنها إن التعريف لا يسمح للعمال في هذه الحالة بالقيام بالإضراب للدفاع عن اتفاق تم خرقه. أليس هذا تكبيل لحق الإضراب ؟ أضافه المشروع الرابع للقانون التنظيمي تجاوبا مع مقترحات الباطرونا ؟

¨ تطرح المادة الرابعة بأنه “لا يجوز معاقبة أي شخص بسبب مشاركته في إضراب مشروع ما عدا إذا ارتكب خطأ جسيما”. هذا المقتضى إيجابي في شقه الأول، إلا أنه غير كافي لأن المشغل يمكن أن يلجأ إلى معاقبة المضرب إذا كانت كلفة العقوبة (أي الإجراء الزجري) ضعيفة. لذا كان يجب التنصيص كذلك على أنه “تكون لاغية بموجب القانون معاقبة أي شخص بسبب مشاركته أو إعلانه المشاركة في الإضراب”.

إن صيغة “ما عدا إذا ارتكب خطأ جسيما” تم إضافتها في المشروع الرابع للقانون التنظيمي، والسؤال المطروح هو هل يمكن ارتكاب خطأ جسيم في ظل توقف عقد الشغل أثناء الإضراب؟ فهل يبقى عقد الشغل ساري المفعول بالنسبة للسلبيات ولا يبقى ساري المفعول بالنسبة للإيجابيات [الأجرة، احتساب مدة الإضراب في الأقدمية،…] ؟ ثم أليست هذه الصيغة فرصة تبيح للمشغل إمكانية معاقبة المضربين بدعوى ارتكاب الخطأ الجسيم ؟ مع العلم أن تلفيق الخطأ الجسيم للأجير أمر سهل بالنسبة للمشغل.

¨ تطرح المادة الخامسة: “تبقى حرية العمل مضمونة” وهذه الصيغة الواردة في المشروع الرابع استبدلت الصيغة الواردة في المشروع الثالث والتي ورد فيها أن “حرية العمل مضمونة للأجراء الذين لا يشاركون في الإضراب”. ويتضح مرة أخرى أن هنالك تراجع واضح لفائدة الباطرونا حيث استبدلت صيغة دقيقة تعني أن حرية العمل مضمونة فقط لأجراء المقاولة الذين لا يرغبون في المشاركة في الإضراب بصيغة عامة حول حرية العمل مع السماح بتطبيقها بنفس الفهم السائد لحد الآن وفقا لما ورد في الفصل 288 من القانون الجنائي.

يتم هذا التراجع في الوقت الذي كان فيه من المطلوب ليس الانتكاس وإنما منع تحايل المشغل على القانون بتشغيله لعمال جدد بين فترة اتخاذ قرار الإضراب وبداية الإضراب مما كان يستوجب صياغة المادة كالتالي: “حرية العمل مضمونة للأجراء الذين لا يشاركون في الإضراب والعاملين بالمقاولة قبل تاريخ اتخاذ قرار الإضراب”

¨ تنص المادة 6 على أن “الإضراب يوقف عقد الشغل ولا ينهيه إلا في حالة ارتكاب الأجير لخطأ جسيم”، ويتم بعد ذلك سرد الأخطاء الجسيمة. وتعني هذه المادة أن الأجير لن يتقاضى أجرته خلال الإضراب حتى ولو كان الإضراب شرعيا ومشروعا ويهدف إلى تحقيق مطالب شرعية مثل مقتضيات قوانين الشغل. كما تعني هذه المادة التراجع عن الحق المكتسب للعديد من أجراء القطاع العام المتعلق بعدم توقيف عقد الشغل وبتأدية الأجور عن أيام الإضراب.

• ونقترح هنا إضافة أن ” عقد الشغل يظل ساري المفعول في حالة إضراب مشروع من أجل تطبيق القوانين أو اتفاقية جماعية” وذلك لترك المجال لإمكانية تعويض المضربين.

• كما نقترح حذف كل التدقيقات (وهي تدقيقات غامضة) للتعريف بالأخطاء الجسيمة مادامت معرفة في الفصل 39 من مدونة الشغل.

¨ بالنسبة للفقرة الثانية من المادة 7 يجب تعديلها لترك إمكانية المشاركة في الإضراب التضامني أو الوطني حتى للمؤسسات التي أبرمت اتفاقية جماعية تنص على عدم اللجوء للإضراب في فترة معينة من أجل مطالب خاصة بتلك المؤسسات.

¨ بالنسبة للمادة 10 بدل الحديث عن تاريخ إعلام المشغل بقرار الإضراب من الأفضل الحديث عن تاريخ قرار الإضراب.

في إطار الملاحظات النقدية، ما هي الحواجز والعراقيل الأساسية لتكبيل حق الإضراب ?

¨ تنص المادة 11 على أن “قرار الإضراب يتخذ من لدن النقابة أو النقابات الأكثر تمثيلا للأجراء داخل المؤسسة أو من لدن الجمع العام للأجراء”

وتنص نفس المادة بعد ذلك على شكليات الجمع العام دون أن تدقق في شكليات اتخاذ القرار من طرف النقابة.

إن هذه المادة تنص على سلبيات جوهرية أهمها:

• افتراض أن الإضراب لا يعني إلا المؤسسة ولا يشمل بالتالي الإضراب القطاعي أو المحلي والجهوي أو الوطني.

• افتراض أن الإضراب لا يمكن خوضه داخل مؤسسة محددة إلا بقرار الجمع العام أو النقابة الأكثر تمثيلا للأجراء بالمؤسسة مما يعني أن نقابة جديدة بمؤسسة معينة ليس لديها مندوبين للأجراء بالمؤسسة لا يمكنها اتخاذ قرار الإضراب كنقابة.

• التنصيص على أنه “يعقد الجمع العام للأجراء خارج أماكن العمل أو داخلها باتفاق مع المشغل” وهو ما يوحي بأن اتفاق المشغل مطلوب حتى في حالة رغبة العمال في عقد جمعهم العام في النقابة أو في أي مكان آخر خاج المعمل !!

• التفصيل داخل مشروع القانون حول كل ما يهم قرار الإضراب عبر الجمع العام (شكليات عقد الجمع العام واتخاذ القرار، تشكيل لجنة الإضراب المنبثقة عن الجمع العام مع تخويلها صلاحية التفاوض حول الملف المطلبي،…) بينما لا يتم الحديث عن دور النقابة والمكتب النقابي.

اعتبارا لما سبق واحتراما لدور النقابة وأجهزتها المسيرة وخاصة المكتب النقابي داخل المقاولة فمن الأجدى وعلى عكس ما ذهب فيه مشروع القانون، عدم التقنين للإضراب خارج الإطار النقابي ونقترح بالتالي إعادة صياغة المادة 11 بالشكل الذي يسمح للنقابة الأكثر تمثيلا على المستوى الوطني باتخاذ قرار الإضراب على كافة المستويات (المؤسسة، القطاع، المنطقة، الوطن) مهما كانت تمثيليتها الجزئية.

¨ تنص المادة 12 على أنه “في حالة سريان مسطرة تسوية نزاعات الشغل الجماعية المنصوص عليها في الكتاب السادس من مدونة الشغل تشجع الأطراف المعنية [أي العمال] على الامتناع عن الإضراب طيلة فترة سريان المسطرة المذكورة”.

إذا علمنا أن هذه الإجراءات تتضمن مسطرة الصلح على مستوى مندوبية الشغل، ثم على مستوى العمالة ثم على المستوى الوطني ثم مسطرة التحكيم بكافة أطوارها، وإذا علمنا كذلك أن هذه المسطرة تتطلب عدة أسابيع سيتضح أن المادة 12 هي ضغط معنوي على العمال لعدم اللجوء إلى الإضراب.

لذا ومع التأكيد على فائدة اللجوء لمسطرة الصلح والتحكيم لحل النزاعات الجماعية، يجب التنصيص على أن تطبيق مسطرة الصلح والتحكيم لا يمنع ولا يعطل ممارسة حق الإضراب.

¨ تنص المادة 13 على وجوب تمكين المشغل أو المشغلين من مهلة للإخطار لا تقل عن عشرة أيام كاملة، وتنص المادتان 15 و16 على شكليات معقدة لتبليغ قرار الإضراب للمشغل أو المشغلين المعنيين وإلى ممثل السلطة المحلية المختصة وإلى المندوب الإقليمي المكلف بالشغل وإلى الممثل الإقليمي لأية إدارة أخرى معنية مباشرة.

في الممارسة الحالية لحق الإضراب، أن مدة الإخطار غير محددة المدة وهي قد تطول أو تقصر حسب القطاع. ففي القطاع العمومي إن هذه المدة تفوق الأسبوع. إلا أنها تصل عادة إلى 48 ساعة في القطاع الخاص. وقد تكون أقل من ذلك عندما يضطر العمال لمواجهة ممارسة تعسفية خطيرة للمشغل يريد من خلالها تكريس أمر واقع وميزان القوى لصالحه.

إن تحديد مهلة الأخطار في 10 أيام غير معقول في عدد من الحالات، لذا من المنطقي أن يترك تحديد مهلة الأخطار لاتفاقيات جماعية قطاعية أو بين المشغل والنقابة على ألا تقل هذه المهلة عن يومين من أيام العمل الفعلية.

أما عن شروط تبليع قرار الإضراب فهي شروط بيروقراطية تمكن الطرف الأقوى (المشغل، وحتى السلطات المحلية أحيانا) من التحايل على القانون. لذا سيكون من المفيد خلق الشروط لتمكين النقابة من تبليغ القرار للمندوبية مقابل وصل خاص بهذا الغرض على أن يتم كذلك تبليغ القرار للمشغل والسلطة المحلية وغيرها من الأطراف المعنية مع التأكيد على أن التبيلغ الملزم هو الذي يتم مع مندوبية الشغل.

¨ تنص المادة 19 في فقرتها الثانية على وجوب اللجوء لمسطرة الصلح والتحكيم في حالة حدوث اختلاف حول تأويل الاتفاق المبرم بشأن الملف المطلبي. وهذا الوجوب هو شرط تعجيزي آخر أمام اللجوء لممارسة حق الإضراب.

¨ في إطار المقتضيات الخاصة بسير الإضراب ومعايتنه تم إعطاء العون القضائي دور كبير في الإشراف على معاينة شروط الإضراب وتم إقصاء مندوبية الشغل من هذا الإشراف. لذا يجب التنصيص على الدور الأساسي لمندوبية الشغل ومفتشي الشغل في الإشراف على معاينة شروط الإضراب.

¨ فيما يخص تأمين الحد الأدنى من الخدمات خلال مدة الإضراب يجب القيام بتدقيق هذا المفهوم ومجال تطبيقه حتى لا يتم استعماله لعرقلة الممارسة العادية لحق الإضراب.

¨ عرف المشروع الرابع للقانون التنظيمي تراجعا سلبيا على مستوى المادتين 21 و23.

فالمادة 21 كانت صيغتها في المشروع الثالث كالتالي: “يمكن للمشغل اتخاذ الإجراءات الضرورية لتفادي تدمير أو إتلاف ممتلكاته. يجب أن تكون الإجراءات المشار إليها في الفقرة السابقة مجرد تدابير قانونية تحفظية لا تستهدف مواصلة الإنتاج أو تقديم الخدمات بشكل عادي”. وقد تم حذف الجملة الأخيرة من المشروع الرابع وهذا ما يسمح للمشغل بمواصلة الإنتاج والخدمات بشكل عادي ويحد بالتالي من فعالية الإضراب.

أما المادة 23 فكانت صيغتها في المشروع الثالث كالتالي: “يمنع احتلال أماكن العمل خلال مدة الإضراب إذا كان من شأنه أن يمس بحرية العمل أو يؤدي إلى أعمال العنف أو إلى إتلاف أو تدمير الآلات أو الأدوات أو المعدات”. وأصبحت الصيغة التي جاء بها المشروع الرابع تحرم بشكل مطلق احتلال أماكن العمل حيث تنص المادة 23 في صيغتها الجديدة على أنه “يمنع احتلال أماكن العمل خلال مدة الإضراب”. وهذه الصيغة الإضافية تٌعد منعا للاعتصام بالمعمل ولو كان سلميا، هدفه الحفاظ على الآلات والمعدات…

¨ تنص المادة 30 على تخويل الوزير الأول صلاحية وقف الإضراب أو منعه عند حدوث أزمة وطنية حادة.

إن هذا المقتضى قد يجعل من الوزير الأول خصما وحكما في نفس الوقت لذا يجب تخويل الصلاحية المذكورة للقضاء بدل الوزير الأول.

¨ في ما يخص المقتضيات الزجرية يلاحظ أن مشروع القانون التنظيمي الأخير حذف الباب الخامس الوارد في المشروع الثالث. ومن دون شك أن هذا التعديل جاء تنازلا للباطرونا التي اعتبرت ما ورد في هذا الباب رغم ضعفه لا يستجيب لمصالحها الأنانية.

 

كخلاصة لما سبق،

يتضح بعد القراءة النقدية لمشروع القانون التنظيمي المتعلق بالإضراب وبالمقارنة بالخصوص مع الانتظارات من أي قانون تنظيمي لحق الإضراب في بلد ديمقراطي يحترم حقوق العمال، أن المصادقة على هذا المشروع سيشكل انتكاسة لممارسة حق الإضراب.

إن المصادقة على هذا المشروع ستؤدي إلى تكبيل حق الإضراب بالنسبة لأجراء القطاعات المعنية بتطبيقه وإلى اهتزاز مشروعية الإضرابات في القطاعات الأخرى. إنه هدية جديدة للباطرونا يجب رفضها من طرف كل القوى الغيورة على حقوق العمال ومصالح الطبقة العاملة.

 

https://www.facebook.com/groups/382672031754190/doc/384553794899347/

—————————————————————————————–

Aziz IDIR

Université Mohammed Premier

École Supérieur de Technologie

Service des Ressources Humaines

BP 473

Tel : 0536500224/28

Fax : 0536500223

OUJDA

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.